آفة السمر بعد العشاء
ذمه وكراهيته ومفاسده وما يستثنى منه
الحمد لله تعالى المتفضِّل المنعم، حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ فضله، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصَّلاة والسَّلام الأتَمَّان الكاملان على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، المنقذ من الضَّلالة والجهالة والرَّدى، إلى نور الحق والإيمان والهدى، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغرِّ الميامين، الذين هم قدوتنا، ولهم الفضل على جميع الأمة إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن هدف الدين في المقام الأول - بعد تحقيق التوحيد - حفظ وسلامةُ الكلِّيات (أو الضرورات) الخمس، التي لا يَستغني عنها الإنسان؛ ولذلك اجتمعت الملل على حفظها، وقرَّرَت جميع الأديان والشرائع الاعتناءَ بها، وشرعت - في سبيل ذلك - كلَّ ما يكفل حمايتها؛ لأنها ضرورية لحياة الإنسان.
ولذلك نجد أن أحد الأمور التي اتفق المحققون من أهل الأصول عليها: أنها - أي: الكليات - غيرُ قابلة للنسخ بين الشرائع ألبتَّة، بل هي غير داخلة فيه أصلًا، كما ذكَر ذلك القرافي وغيره [1] ، ويعنون - أي: أهل الأصول - بذلك وقوعًا، وإن أمكن ذاك عقلًا، ويدل على ذلك الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنيَّة على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم يُنسَخ منه شيء، بل لم يتطرق إليه النسخُ في شيء، ومَن استقرى كتب النَّاسخ والمنسوخ وجد تحقيق هذا المعنى جليًّا واضحًا، لا لبس فيه ولا خفاء؛ وذلك أن النسخ إنما يكون في الجزئيات منها [2] ، بل مما يَزيدنا دلالة على أهمية هذه الكليات أنها - كما يقرِّر الشاطبي وغيرُه ذلك - لا يَدخلها تخصيصٌ ولا تقييد ولا تتغيرٌ بحسب الزمان أو المكان.
(1) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 395) للزركشي، الإبهاج (2/ 121) ، للسبكي، وإرشاد الفحول (ص: 353) ، وغيرها.
(2) انظر - مثلًا: الموافقات (3/ 78) .