ناهيك بأن رياحَه عاصفة، وآثاره عاتية، تدَع الديار بَلاقع، وتذَر النفوس سَلاقع، وتأتي على السنون والأبدان وهنَّ لَسن برَواجع، فتَعصف بالعمر عصفًا، وتذهب باسمه، وتُعفي رَسْمه! إنه حقًّا - والحق أقول - مسلَك مُظلم، لا جَدوى منه ولا هُدى، منهِك للأجسام، ومهلك للأبدان.
فهو بالجملة: خَصْلة ذميمة، وصفة قبيحة، وفعلة خَسيسة، ليست بالحميدة، تتَنافى مع الطباع الصحيحة، والفطر السليمة، وهو فتنة عظيمة، ومصائبه كثيرة، بل ربما جلبَت ضررًا، وألحقت بصاحبه مرَضًا في دينه ودنياه، ومعاشه ومعاده، فالحكمة والمصلحة - والأمر كذلك - تقتضي ولا بد منْعَه، وبالتالي ترْكَه، وبذلك جاءت الشريعة الغراء، والحنيفيَّة السمحاء.
ولذلك يعدُّ صاحبه - حتى في أعراف الناس - قبيح الشيمة مذموم الفعال، وهذا كله فيما إذا كان السمر معدودًا في جنس ما هو مباحٌ في غير هذا الوقت، ويَستوي فِعله وتركُه، فكيف بالله عليكم والكثير والكثير منه - ولا سيما في أيامنا هذه - هو على القيل والقال، والغيبة والنَّميمة، وإضاعة الأوقات، وصنوف المحرَّمات؟! فبالله قولوا لي: بأي وصف يوصَف؟! وهذا وإن كان من العجب؛ لأنه جرَّه على نفسه، إلا أن الأعجب منه أنه كلما نصح كان أحسنُهم حالًا مع الناصح مَن يُعرض ولسان حاله - وإن شئتَ قل: مَقاله: هي روحي، فكيف أترك روحي؟!
بل الأعجب من هذا وذاك أنهم يسمونه بغير اسمه - تحريفًا وتضليلًا - يقولون: ظُرفًا، وصاحبه ظَريف! وهو - لو كانوا يعقلون - الصَّلف بعينه، وصاحبه أصلف، وقديمًا قيل: آفة الظُّرف الصَّلَف، وإنه ليزداد عجبك أننا بِتْنا في عصر تنظر فيه المجتمعات لمن لا يَسمُر بعد العشاء شَزرًا، ويعيبون عليه فعله، ويَنبِزونه بألقابٍ لا تدري من هو الأحقُّ بها! وهذا أحد الأمثلة المتكاثرة على أننا صِرنا في أزمنةٍ مَوازينُ الناس فيها مقلوبة، وأفهامهم منكوسة، والله المستعان.