بعضهم [1] بسكون الميم، وجعَله المصدر، وأصل السمر لون ضوء القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون فيه" [2] ، وهو يُطلق على قَليل الكلام وكثيره سواء [3] ."
وبعدَ أن اطلعنا على شيء من أقوال علماء اللغة العربيَّة؛ لمعرفة أصل معناها، أقول: فكيف لا يكون السمر - بعد هذا - آفةً وقد أفسد على الناس أديانهم، ونفوسَهم وعقولهم، وأنسابهم وأموالهم؟! وخلَّف لهم من بعد ذلك عاهةً، وأي عاهة! فإنه قد أتى على الكليات والضروريات جميعها، هدمًا وحرقًا، فأهلكها وأهلكَهم فصار حيُّهم ميتًا، وهَذرُهم صمتًا، وأتت أمواجه عليهم فصارت قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا.
فهو إذًا عند النظر - فكيف عند التأمل والتحقيق - آفةٌ وداء أصاب الناس - ولا يزال يصيبهم - في مقتل، بل إن ضرره أعظم؛ فآفته أسرع إلى إهلاك صاحبها في غالب الأمر سرعةَ هلاك النار لمن لابسَها ودنا منها، فآهٍ ثم آه! كم أزاغ وكم أمال! ويعلم الله عز وجل كم هم الذين اكتوَوا بهذه النار!
إن السَّمر عدوٌّ مذموم بكل لسان، محارَب بكل سِنان، مستجلب للإهانة والخِذلان، وأسيره مستحق للإذلال في كل زمان، مرفوضٌ بكل مكان، مقبَّح عند كل صاحب جَنان، وهو من حيث هو شُؤم [4] على صاحبه، مستحوِذ عليه ملازمٌ له؛ لأن عمله هذا يستلزمه، وإن خفي عليه ذلك، وهو إلى ذلك مُسيء له ومَعيب في الوقت نفسه، وغير محمود.
(1) انظر: فتح الباري (1/ 185) لابن حجر.
(2) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 994) . وانظر: تاج العروس من جواهر القاموس (12/ 73 - 74) للزَّبيدي، وتهذيب اللغة (12/ 291) ، ولسان العرب (4/ 376) ،
(3) انظر له: عمدة القاري شرح صحيح البخاري (3/ 346 - 347) للعيني.
(4) وبالطبع ليس المقصود الشؤمَ الذي نفاه الشرع، وإنما أردنا الشؤم الذي يثبته الشرع والعقل، فتنبه.