قال الحافظ - بعد أن ساق جملةً من هذه الأقوال:"تُحمَل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادة؛ لأن الشيء إذا شُرع لِكونه مَظنَّة قد يستمرُّ فيَصير مئنَّة، والله أعلم".
وقال تاج الدين السبكي:"قلت: ويمكن أن يتعلَّق بكل من هذه المعاني؛ بجواز اجتماعها، ولا يمكن أن يقتصر على واحدٍ من التعليلين (الأولين) ؛ لئلاَّ يَلزم اختصاصُ الكراهة بمن يَخشى فوات الصبح، واختصاصُهما بمن له تهجُّد يخشى فواته" [1] .
ولا ريب أن الأوائل قد أبلَغوا في الجهد في التحذير من هذه الآفة العظيمة، مشافَهة ومكاتَبة، ولم يألوا في ذلك نصحًا، ولا ادَّخروا وُسْعًا، كما التزموا تجاهها: الاتباع والآدب كما يَفرضهما الدِّين، وسأسوق في حديثي الآن جملةً من الأمثلة على هذا الألفاظ التي ضِيمَتْ عند كثيرين، وأُهمِلَت عند آخرين؛ حتى يكون فيها مَنبَهةٌ لما أريده.
قال ابن رجب:"رُويَت كراهة السمر بعد العشاء عن عمرَ وحذيفةَ وعائشة رضي الله عنهم، وغيرِهم" [2] .
وقال ابن عبدالبر:"وعن إبراهيمَ وعطاءٍ وطاووس ومجاهد [3] وسعيد بن المسيب"أنَّهم كانوا يَكرهون النوم قبلها والحديث بعدها" [4] ."
وقال:"واتفق مالكٌ والشافعي على كراهة النوم قبل العشاء الآخرة والحديثِ بعدها" [5] . وذكَر أن مذهب الحنفية:"الترخيص في الحديث بعدَها فيما لا مأثمَ فيه" [6] .
(1) بتصرف. طبقات الشافعية الكبرى (2/ 253) .
(2) فتح الباري (3/ 376) له.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة رقم: (7185) ولفظه:"عن ليث، عن عطاء، وطاووس، ومجاهد: أنهم كانوا يكرهون النوم قبلها والحديث بعدها".
(4) الاستذكار (2/ 90) لابن عبدالبر.
(5) الاستذكار (2/ 92) لابن عبدالبر، وانظر التمهيد (24/ 215) .
(6) الاستذكار (2/ 92) لابن عبدالبر.