وذكر الله تعالى نصيب ما فوق البنتينِ في الميراث، فقال: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11] ، وبقيت البنتانِ مسكوتًا عنهما، فنُقِل في السنة حكمُهما، وهو إلحاقهما بما فوق البنتين، كما اعتبر بنتَ الابن مع البنت من الصلب كأختينِ، وأعطاهما الثُّلُث [1] .
ومما استقلَّت به السنة دون القرآن: أحاديث تحريم جمع الرجل بين المرأة وعمَّتِها، وبين المرأة وخالتِها، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني المُحصَن، وتغريب البِكْر، وإرث الجدَّة، وزكاة الفطر، وغير ذلك مما استقلَّت السنة بتشريعه [2] .
• حالة العرب قبل الإسلام والاستعداد الفطري للحفظ:
اشتهر العرب بصفات طيِّبة، وخصال محمودة كثيرة قبل الإسلام؛ كالمروءة، والكرم، والوفاء بالعهد، إلى جانب سَعَة حافظتِهم التي كانت سجلاًّ لتاريخهم وأنسابهم وأشعارهم، وكانوا يشتهِرون بالصدق والأمانة، وصفاء الذهن، ونشاط الذاكرة، وقوة مَلَكة الحفظ، وإجادة الضبط في أداء الألفاظ، فأقبل الصحابة رضي الله عنهم بعد الإسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وأحبُّوه وفَدَوْه بأرواحهم وأموالهم وأقبَلُوا على ما جاءهم من القرآن يحفظونه ويحفظون ما يُحدِّثهم به من الأحاديث، فجمعوه في صدورهم وطبَّقوه في جميع أحوالهم.
أول ما نزل الوحي دعا إلى التعليم والقراءة، فكان أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 1 - 4] .
كما حضَّ سبحانه وتعالى على سؤال العلماء، فقال جل شأنه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
وأوجب نشر العلم وبيان أحكامه، فامتثل الرسولُ صلى الله عليه وسلم للأمر والنهي، وحث على طلب العلم الذي يحتاجه كل مسلم ليقيم أمور دينه، وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلةَ العلم ورغَّب فيه، فقال:
(1) (رواه أبو داود رحمه الله تعالى في الفرائض) .
(2) الحديث والمحدثون ص: 40.