• وأحيانًا كان الصحابة رضي الله عنهم يتناوبون الحضور إذا تعذَّر عليهم، فيتَّفِق اثنان على تناوب الحضور؛ كما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جارٍ له، على أن يحضر أحدهما يومًا بعد يوم.
وقال أنس رضي الله عنه: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه [1] .
فانظر أخي الكريم كيف كان يحرِصُ الصحابة رضي الله عنهم على طلب العلم، وتعاهده، والمثابرة عليه، وكان ذلك في الحضر والسفر.
ولم تكن مجالس العلم قاصرةً على الرجال، بل كان كثير من النساء يحضُرْنَ في المسجد، ويستمعن إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما كن يخرجن إلى صلاة العيد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتنقَّل إلى صفوف النساء ويتحدَّث إليهن ويُعلِّمهن أمور الدين، ولم يكن ذلك كافيًا، فقد حرَص النساء أيضًا على سماع الحديث الشريف، فكان يجيئه بعض النساء يسألنه ويطلبن منه أن يُخصِّص لهن يومًا يُعلِّمهن دون الرجال، فاستجاب لهن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانتِ المرأةُ أحيانًا تأتي إلى منزله صلى الله عليه وسلم لتسأله فتحصل على الإجابة، ومنهن مَن تجعل إحدى نسائه وسيطًا بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتلقَّون الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم إما عن طريق المشافهة لأفعاله وتقريراته، وإما عن طريق السماع ممن سمِع منه أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعًا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم.
روى بعض مَن لم يُحقِّق من المؤرِّخين ووهِموا أن أوَّل مَن كتب علم الحديث هو محمد بن شهاب الزهري رحمه الله تعالى (ت 124 هـ) ، وأن أول مَن وضع الكتب أتى بعده، وبالتالي ثبت في أذهان العامة وغير ذوي الاختصاص أن الحديث لم يُكتَب في عصر الصحابة والتابعين إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له، فكان قد استقر رأيُهم على أن الحديث لم يكتب إلا بعد عصر التابعين؛ أي حين شرع العلماء في تدوينه ومن ثم تصنيفه.
سؤال: لماذا لم تُدوَّن السُّنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ج 2 ص: 464.