الصفحة 23 من 34

3 -التدوين الرسمي الثالث:

وجاء القرن الثالث الهجري، وازدهر فيه تدوين السنة، وتنوَّعت المؤلَّفات فيها، ففي القرن الأول والثاني كان الاهتمام بالسنة تدوينًا وجمعًا فقط، أما في القرن الثالث، فقد تناول العلماء السنة من جهتين؛ هما الجمع والتدوين والتصنيف على المسانيد والجوامع والسنن.

• المسانيد: هي الكتب الحديثية التي رتَّبها مؤلفوها على ما رواه كل صحابي على حِدَةٍ، بغضِّ النظر عن الموضوع؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يَعْلَى.

• الجوامع: هي الكتب التي اشتملت على جميع أنواع الحديث في العقائد، والفقه، والرقائق، والآداب، والتفسير، والمناقب، وغيرها؛ كالجامع الصحيح للإمام البخاري.

• السنن: هي الكتب التي رُتِّبت على الأبواب الفقهية؛ كسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، رحمهم الله تعالى.

وتابع علماء القرن الثالث الجهودَ المباركة للعلماء السابقين، وانتهجوا نهجًا مخالفًا بعض الشيء في حفظ السنة، فأفردوها عن أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم وفتاويهم وتفسيراتهم، والتزموا شروطًا وضعوها لأنفسهم، مع اهتمام بارز بالرواة والروايات، وكان الداعي لهذه الطرق هو أن تكون عونًا للفقهاء وتسهيلًا لهم في الوقوف على الأحاديث التي يستنبطون منها أحكامهم، أو يستدلون بها، أو يجتهدون على ضوئها.

وقد لقي الحديث عنايةً وحفظًا واهتمامًا عظيمًا من أبناء ذلك العصر، الذين تولَّوا نقلَه بأمانة وإخلاص إلى الجيل الذي تلاهم، ثم أدَّت الأجيال المتعاقبة هذه الأمانة، حتى وصلت إلينا في أمَّهات الكتب الصحيحة [1] .

لَمَّا اتَّسعت الفتوحات الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعطَّشت نفوسُ الناس إلى العلم، بعث خلفاءُ المسلمين الصحابةَ رضي الله عنهم ليُعلِّموهم أحكامَ الدين، وبنزول الصحابة تلك البلدان؛ كالعراق، ومصر، والشام، وفارس - أصبحتِ الأقاليمُ والأمصار مراكزَ إشعاعٍ علميٍّ، ومعاهدَ لتعليم القرآن الكريم

(1) السنة قبل التدوين ص: 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت