اعتنى الصحابة رضي الله عنهم والتابعون بالسُّنة، وحرَصوا عليها حرصًا شديدًا، لكنهم لم يُسَوُّوا بينها وبين القرآن الكريم في الكتابة، خوفَ الإنكباب عليها والتهاون، أو إغفال حفظ القرآن الكريم.
وقد أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابة السُّنة، واستشار الصحابة رضي الله عنهم، فأشاروا عليه بكتابتها، لكنه استخار الله تعالى شهرًا، فترك كتابة السنن خشية ترك القرآن الكريم، وكان بعض السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفًا أن يتَّكِل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ.
وقال عبدالله بن الزبير رضي الله عنه: كتبت الحديث ثم محوته، فوددت أني فديتُه بمالي وأني لم أَمْحُه، وذلك لَمَّا كبِرت سنُّه وتغيَّر حفظه ندم.
ومن أسباب كراهة كتابة الحديث خوف صيران العلم إلى غير أهله، وكانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلُّوا بكتب ورِثوها [1] .
سؤال: ما السبب الذي أدى إلى تدوين السنة النبوية في عهد الصحابة والتابعين؟
الجواب: لَمَّا انتشر الإسلام، واتَّسَعت الفتوحات الإسلامية، وتفرَّق الصحابة في الأقطار، وكاد القرن الأول ينتهي، والسُّنة موكولة إلى حفظ الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فنشأ جيلٌ بعد ذلك قليل الضبط، ضعيفُ الحفظ بسبب اختلاط العرب بالأعاجم في البلدان المختلفة - كالعراق والشام ومصر - فدعت الحاجةُ إلى تدوين الحديث النبوي، فأكثر التابعون من كتابة الحديث والسنن، ولم يُنكِرها واحدٌ منهم في الوقت الذي تلهَّف فيه المسلمون في الأقطار إلى معرفة شرائع الإسلام وآدابه، وإعجابهم بالصحابة رضي الله عنهم، ومرافقة التابعين والأخذ عنهم، فضلًا عن ظهور الكذب والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنصار الفِرَق
(1) تقييد العلم ص: 61.