الصفحة 26 من 34

وبعد الفتوح الإسلامية تفرَّق الصحابة رضي الله عنهم في البلدان ينشرون العلم ويَرْوُونه، فشاعت رواية الحديث، وكان الصحابة رضي الله عنهم يقطعون المسافات الطويلة لا يعبؤون بالمخاطر في الطريق، كما فعل جابر بن عبدالله رضي الله عنه حينما ذهب إلى الشام فسار شهرًا واشترى بعيرًا يحمله إلى عبدالله بن أُنَيْس رضي الله عنه ليسمع حديثًا في القِصاص، فلما ذهب إليه قال له: فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، رغم أن جابرًا رضي الله عنه من المُكثِرين في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أعلم أن أحدًا أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغُه الإبل لأتيتُه [2] .

وهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقد ركِب إلى عقبة بن عامر رضي الله عنه في مصر فسأله عن حديث في ستر المؤمن: (مَن ستر مؤمنًا في الدنيا على عورة ستره الله عز وجل يوم القيامة) ؛ رواه أحمد رحمه الله، فرجع إلى المدينة فما حل رحلَه يُحدِّث بهذا الحديث.

قال أبو العالية: كنا نسمع الرواية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالبصرة فلم نرضَ حتى ركِبنا إلى المدينة فسمِعناها من أفواههم [3] .

وقال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمةَ حكمةٍ ما رأيتُ أن سفره ضاع [4] .

وقال سعيد بن المسيب: إن كنتُ لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي [5] .

وهذا شعبة بن الحجَّاج الذي يُعدُّ أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول مَن فتَّش عن الرجال بالعراق وانتقى الأسانيد، قد حُكِيت قصةُ بحثه عن حديثٍ تنقَّل من أجله بين البصرة والكوفة ومكة والمدينة، ثم عاد إلى الكوفة

(1) الحديث والمحدثون ص: 111.

(2) الكفاية في علم الرواية ص: 442.

(3) الجامع لأخلاق الراوي 2/ 224، الكفاية في علم الرواية ص 443.

(4) جامع بيان العلم وفضله ص 144.

(5) الكفاية في علم الرواية ص 442، جامع بيان العلم وفضله ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت