كان الصحابة رضي الله عنهم يعتبرون قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلَه وتقريرَه حكمًا شرعيًّا، لا يختلف في ذلك واحدٌ منهم، وتمثَّل ذلك في قول ابن مسعود رضي الله عنه للمرأة:"لئن كنتِ قرأتِه لقد وجدتِه"، عندما سألته عن لعن الواشمات، والمستوشِمات [1] ، والمتنمِّصات [2] ، والمتفلِّجات [3] للحُسْن، المُغيِّرات خلق الله، أنها لا تجده في كتاب الله، فقال لها:"وما لي لا ألعن مَن لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟ فتلا عليها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، والقرآن الكريم يُثبِت أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعةٌ لله تعالى، وجمع بين الطاعتَيْنِ، فقال سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ."
وحذَّر الله تعالى من مخالفةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، وأقسم سبحانه بنفي الإيمان عمَّن يرفض حكم رسوله صلى الله عليه وسلم والانقياد له، فقال جل وعلا: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، بل جعل الله تعالى متابعةَ النبي صلى الله عليه وسلم علامةً على حبه جل وعلا، فقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] .
إن القرآن الكريم دلَّ على وجوب العمل بالسنة، فكل عمل جاءت به السنة يُعَدُّ عملًا بالقرآن الكريم، فالكتاب مجملٌ والسنة مُوضِّحة، ومُفصِّلة، ومُخصِّصة، ومُقيِّدة، ومُؤكِّدة، ومُفرِّعة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، والذِّكر هو السُّنة، وما نزل إليهم؛ أي: القرآن الكريم، وعلى ذلك فإن أوجه بيان السنة للقرآن متعدِّدة؛ منها:
(1) الوشم أن يُغرَز الجلد بإبرة ثم يُحشَى بكحلٍ فيزرقَّ أو يخضَرَّ، والواشمة الفاعلة للوشم، والمستوشمة التي يُفعَل بها ذلك، الطالبة له؛ (انظر: النهاية ولسان العرب) .
(2) المتنمصة: التي تنتف الشعر من وجهها؛ (انظر: النهاية ولسان العرب) .
(3) المتفلجات: النساء اللاتي يُفرِّجن ما بين ثنايا الأسنان؛ أي: (يباعدن) ؛ (انظر: النهاية ولسان العرب) .