الصفحة 16 من 34

الجواب: لأن هذا يحتاج إلى تفرُّغ كبير من الصحابة رضي الله عنهم، والعمل سيكون شاقًّا عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أميٌّ، وبعث في أمة أمية، فكان الكتبة قلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بكتابة القرآن الكريم في الصحف والرِّقاع، وكان أيضًا محفوظًا في صدورهم، وكان العرب يعتمدون على ذاكرتهم وحدها، فلو دُوِّنت السنة كما دُوِّن القرآن الكريم - وهى واسعة جدًّا - للزم انكبابُهم على حفظ السنة مع القرآن، وهذا فيه من الحرج والمشقة ما فيه.

عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: (( لا تكتُبُوا عنِّي، ومَن كتب عني غيرَ القرآن فليَمْحُه، وحدِّثوا عنِّي ولا حرج، ومَن كذب عليَّ - قال همَّام(أحد رواة هذا الحديث) : أحسبه قال: متعمِّدًا - فليتبوَّأ مقعدَه من النار )) [1] .

وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر عن كتابة الحديث خشيةَ أن يختلط بالقرآن وينصرفوا إلى الحديث، ثم أذِن لهم بعد ذلك.

لَمَّا تتابع الوحي وكثُر ما نزل من القرآن، وأمن اللبس بين القرآن والسنة في نفوس وعقول العرب، وميَّزت أذواقُهم بين أسلوب القرآن وغيره، كان ذلك من دواعي اطمئنان النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن الكريم، فأذِن لعددٍ من الصحابة رضي الله عنهم بكتابة الحديث، وليس بين النهي والإذن تعارضٌ؛ إذ إنه نهى عن التدوين الرسمي كما كان يُدوَّن القرآن الكريم، وذلك لِمَا عُرِف عن النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبلاغة خشيةَ أن تختلط بالقرآن الكريم، وأما الإذن، فهو سماح بتدوين السنة لظروف خاصة، أو السماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السنة لأنفسهم.

وقد أذِن بتدوين السنة النبوية الشريفة؛ لأنها موسوعة الإسلام وتفاصيله، وللحفاظ عليها من الضياع بموت حفَّاظها، وكذلك خشية تحريفها واختلاطها بموضوعات الوضَّاعين وكتبهم [2] ، وهناك شواهد لإذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة وجمع السنة؛ مثل:

(1) رواه مسلم رحمه الله تعالى.

(2) دراسات في السنة النبوية ص: 58 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت