ثانية، وهو حديث: (مَن توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجدًا فصلى ركعتين واستغفر الله، غفر الله له) ؛ رواه أحمد رحمه الله بمعناه، كما رحل أتباع التابعين بحثًا عن التابعين للأخذ منهم وملازمتهم في سبيل المذاكرة [1] .
وعند تتبع تراجم المُحدِّثين من التابعين وأتباعهم، نجد المؤرخين لحياة هؤلاء يقولون في الرجل: فلان بن فلان المكي، ثم الكوفي، ثم الشامي، ثم المدني، ثم البصري، ثم المصري؛ إيذانًا منهم بأن الراوي كان رحَّالة في طلب الحديث والعلم؛ كحجاج بن إبراهيم الأزرق أبي محمد البغدادي سكن طرطوس ومصر [2] .
وكان للرحلات العلمية أثرٌ عظيم في انتشار السنة والمحافظة عليها، وجمعها وتمحيصها والتثبُّت منها، وهكذا تعاون العلماء من الأمصار المختلفة على حفظ السنة النبوية، ورحل بعضُهم إلى بعضٍ، وتلقى بعضهم عن بعض، فلم تصِلْنا السنة في مصنفات وكتب مرتبة على الأسانيد ومجموعة على الأبواب إلا بعد أن خدمها الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وأتباعهم من العلماء ومن بعدهم، فكانوا حقًّا واحةً نلوذُ بها كلما أعيانا الجهد وأضنانا المسير في رحلة طلب العلم.
1 -أبو هريرة (رضي الله عنه) :
الدوسي سيِّد الحفَّاظ، كان من أوعية العلم، وهو عبدالرحمن بن صخر، من قبيلة دوس باليمن، وأمه ميمونة بنت صبيح، وقيل أميمة، ومن شيوخه بعد النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وفي القرآن أُبَي بن كعب.
وبلغ عدد مَن روى عنه من الصحابة والتابعين 800 تلميذ، وهاجر من اليمن إلى المدينة، وكان من أهل الصُّفَّة يعيش في المسجد، ولا عمل له ولا مال، وجاع واحتاج ولزم المسجد، وكان بارًّا بأمه، فقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية فدعا لها بالهداية للإسلام، فهداها الله فأسلمت، ودعا بحب الناس لهما، فكان ذلك.
وكان أبو هريرة رأسًا في القرآن والسنة والفقه، وكان حفظُه من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان التابعون يتعجَّبون من حفظه، وهو أكثر الصحابة روايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بلغ مسنده 5374 حديثًا، ولم ينفرِد بكثرة الرواية، وإنما كانت رواياته أكثر من غيره، وذلك للأسباب الآتية:
(1) الكفاية في علم الرواية ص 439.
(2) تهذيب التهذيب 1/ 440.