فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 172

ولهذا يُجْمِع المصلحون على ضرورة عودة الدين إلى الحياة؛ حتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره، ويخرج من الحيرة، وينعم بالطمأنينة والاستقرار.

ما صحّةٌ أبدان بنافعةٍ حتّى يصحّ الدّينُ والخُلُقُ

الحضارة كائن حي:

إن الحضارة جسم وروح كالإنسان تمامًا، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية من العمارات والمصانع والآلات، وكل ما ينبئ عن رفاهية العيش ومتاع الحياة الدنيا وزينتها، أما روحها فهو مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعات وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ونظرتهم إلى الدين والحياة، والكون والإنسان، والفرد والمجتمع.

وخلال القرن الماضي قامت حضارات مادية لا روح لها أشقت الإنسان، وجلبت له التعاسة والهمّ من كل جانب، وجرت عليه الدمار والموت من كل مكان، وأهلكت الحرث والنسل، وثبت فشلها، وماتت في مهدها، وسقطت الدول التي احتضنتها، ونحن على يقين من سقوط كل الحضارات المادية التي بنيت على غير الدين (عقائد وأخلاق) ولم تكتف بذلك، بل كانت حربًا عليه، وعملت على إقصائه وحصره داخل المعابد .. بل وطاردته في المساجد والمعابد.

لقد حفل عصرنا هذا بارتقاء مادي وتقدم علمي، وتهيأت له من أسباب المادة ما جعله يصل إلى القمر، ويقطع الكرة الأرضية في برهة من الزمن، كما يسرت للإنسان كل السبل التي تشبع رغباته، وترضي شهواته، وتضع بين يديه كل وسائل الترف والنعيم.

لقد تقدم العلم، وتقدم الفن، وتقدم الفكر، وتزايد المال، وتبرجت الدنيا، وأخذت الأرض زخرفها وازينت، وأترف الناس ونعموا؛ ولكن هل جلب لهم ذلك السعادة؟ وهل حقق لهم الأمن أو ساق إلى نفوسهم الهدوء والطمأنينة؟.

لماذا حل الشقاء بالعالم؟

الواقع ينطق أنه لا شيء من السعادة والطمأنينة قد تحقق؛ لأن هذه الحضارة المادية وفَّرت للإنسان راحة الجسم، ولم توفر له راحة النفس، حققت له الرفاهية المادية، ولم تحقق له السكينة الروحية، هيأت له الوسائل والأدوات، ولم تهيئ له المقاصد والغايات؛ فأضحى يعيش مفتونًا بالمظهر، فاقدًا للجوهر.

كما أن العلم المادي زوَّد الإنسان بآلات وأسلحة، جعلت له من القوة والسلطان ما يدفعه إلى الطغيان والاستبداد، والاستعمار والسيطرة على مقدرات الآخرين، وفرض وصايتها على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت