وإذا تتبعنا تاريخنا وتقويماتنا التاريخية وجدنا أن ما قبل سقوط الخلافة كان يؤرخ له بالتاريخ الهجري أو قبل سقوطها بقليل حينما توزع ميراث الدولة العثمانية وصارت"رجلًا مريضًا"، فكان يؤرخ للأحداث والمعارك والوقائع والمواليد والوفيات بالتقويم الهجري.
وبعد ترهل الحكم الإسلامي وذهاب الخلافة الكبرى تحولت الأمة إلى تاريخ آخر هو التاريخ الميلادي الذي نجله ونحترمه أيضًا؛ لأنه ميلاد نبي ورسول من أولي العزم من الرسل، ولا يتم إيمان المسلمين إلا بالإيمان به، لكننا نتحدث هنا عن تاريخنا نحن، وهويتنا نحن، وحضارتنا نحن.
على أن تاريخ النصارى تاريخ روماني الأصل، عَدَّلَهُ بعض الملوك ورهبان النصارى ونسبوه إلى ميلاد المسيح- عليه السلام - بعد مولده بستة قرون أو ثمانية قرون تقريبًا، والأشهر الميلادية التي يدور عليها فلك هذا التاريخ تحمل في اشتقاقها ومعناها معانى وثنية، ذات ارتباط بآلهة الرومان وعظمائهم.
والمغلوب - كما قيل - مولع بتقليد الغالب، فقلدت الأمة الإسلامية- بعد أن صارت شبه أمة - غيرها من الأمم، وكان استخدام التاريخ الميلادي مظهرًا من هذه المظاهر، فأصبحت كل الدول العربية والإسلامية تؤرخ بتواريخ أخرى غير الهجري باستثناء ما نجده في بلد كالمملكة العربية السعودية.
هوية الأمة في التاريخ الهجري
وما من شك في أن التقويم الهجري هو هوية أمة، فالعبادات الإسلامية ترتبط بهذا التاريخ؛ حيث نجد الحج أشهر معلومات وهي هجرية، والصيام في رمضان وهو شهر هجري، والزكاة يحول عليه الحول الهجري، وعدة المطلقة بالتاريخ الهجري، وغير ذلك؛ وتاريخ حضارة امتدت عبر ثلاثة عشر قرنًا من الزمان لم نكن نؤرخ فيها إلا بهذا التاريخ، ومن هنا ارتبطت أمجادنا وأيامنا ومآثرنا بهذا التاريخ الذي تحوَّلنا عنه إلى غيره نتيجة لأحوالنا وأوضاعنا، كأثر من آثار الغزو الفكري الذي امتدَّ في فراغنا.
ولا يحسبنَّ أحد أن المسألة هامشيَّة أو فرعية بحيث يعد الحديث عنها نوعًا من اللهو أو خوضًا في الباطل، أو ضربًا من ضروب الترف الفكري في الوقت الذي تعاني فيه الأمة من دماء تسيل وأرواح تُزهق وبيوت تهدم وأعراض تنتهك وغير ذلك مما يمكن أن نهوِّن به من هذا الأمر، فقد استمرت المؤامرة لطمس التاريخ الهجري وإزالته وتجهيل الشعوب الإسلاميَّة به قرونًا متوالية؛ ففي القرن الثاني عشر الهجري الموافق للثامن عشر الميلادي عندما أرادت الدولة