فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 172

موفور الثقة بادي الثبات، لا يرتاع لغَيْمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنًا بأن بوادر الصفو لابد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين.

وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها. [1]

"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم" [محمد: 31] .

وذلك على حد قول الشاعر:

عَرَفْنا اللَّيالي قَبلَ مَا نَزَلَت بِنَا ... فلمَّا دَهَتْنَا لَمْ تَزِدْنَا بِهَا عِلْما!

ولا شك أن لقاء الأحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل أجدى على الإنسان، وأدنى إلى إحكام شئونه.

قال تعالى:"وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" [آل عمران:186] . [2]

والتريث والمصابرة والانتظار تتَّسق مع سُنَن الكون القائمة ونُظُمه الدائمة، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، ولا ينضج ساعة النبت؛ بل لابد من المكث شهورًا حتى يجتني الحصاد المنشود. والجنين يظل في بطن الحامل شهورًا حتى يستوي خلقه، وقد أعلمنا الله عزوجل أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز أن تقيم دعائمه في طرفة عين أو أقل. وتراخى الأيام والليالي على الناس هو المدى الذي تقتطع منه أعمارهم؛ وتستبين فيه أحوالهم، وتنضج على لهبه الهادئ طباعهم، ثم ينقلبون بعد إلى بارئهم.

"كما بدأكم تعودون، فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة" [الأعراف: 29،30] .

فالزمن ملابس لكل حركة وسكون في الوجود، فإذا لم نصابره اكتوينا بنار الجزع، ثم لم نغير شيئًا من طبيعة الأشياء التي تسير حتمًا على قَدَر. [3]

من نوح إلى محمد عليهما السلام صبر متواصل على الإصلاح

يضرب لنا القرآن الكريم أروع الأمثلة في الصبر على الإصلاح، قال الله تعالى عن نوح عليه السلام:

(1) - أي: يذلوا.

(2) - خلق المسلم ش/ محمد الغزالي.

(3) - المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت