أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] ، ولجعله للعاملين عليها حقًّا، فلو لم يكن للإمام مطالبتُهم لم يكن له وجه، ولِما اشْتُهر من بعثه - عليه الصلاة والسلام - للقبائل لأخذ الزكاة، وكذا الخلفاء بعده، حتى قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، ولا شك أن السوائم تحتاج إلى الحماية؛ لأنها تكون في البراري بحماية السلطان، وغيرها من الأموال إذا أخرجه في السفر احتاج إلى الحماية، بخلاف الأموال الباطنة إذا لم يخرجها مالكها من المصر لفقد هذا المعنى" [1] ."
وقال الكاساني:"وكذا المال الباطن، إذا مر به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ في الجملة؛ لأنه لما سافر به وأخرجه من العمران صار ظاهرًا، والتحق بالسوائم؛ وهذا لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية؛ لأن المواشي في البراري لا تصير محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، وهذا المعنى موجودٌ في مال يمر به التاجر على العاشر، فكان كالسوائم" [2] .
الجواب عن أدلتهم:
ما ذكره الأحناف من أن الصحابة أجمعوا أن الأخذ من التجار إذا خرجوا بأموالهم الباطنة، وأنها تصبح حينئذ ظاهرة خطأٌ ظاهر؛ فإن السنة واضحة في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ الزكاة من الماشية والزروع دون غيرها.
قال أبو عبيد:"أما ما ذكر في الماشية: أن الصدقة لم تكن تؤخذ من ديونها [3] ، فهو كما قال، ولا تنازَعَ المسلمون في ذلك قط، ولكن هذا نسي ما يدخل عليه؛ أنه جعل دين الصامت قياسًا على الحيوان، وقد فرقت السنَّة بينهما، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان يبعث مُصَدِّقِيه إلى الماشية، فيأخذونها من أربابها بالكره منهم والرضا، وكذلك كانت الأئمة بعده، وعلى منع صدقة الماشية قاتلهم أبو بكر، ولم يأتِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد بعده أنهم استكرهوا الناس على صدقة الصامت إلا أن يأتوا بها غير مكرهين، وإنما هي أماناتهم يؤدونها، فعليهم فيها أداء العَين والدَّين؛ لأنها ملك أيمانهم، وهم"
(1) البحر الرائق 2/ 248.
(2) بدائع الصنائع 2/ 53.
(3) السياق في الرد على من قاس زكاة الدين في الصامت على عدم أخذ الزكاة من ديون الحيوان، مثل: الديات، أو الأسلاف، وإنما نقلتُ ما يتعلق بمسألة الخروج بالتجارات.