تعقيب على رأي بعض الباحثين المعاصرين:
اتجه بعض الباحثين المعاصرين إلى عدم اعتبار عروض التجارة من الأموال الباطنة.
يقول د. القرضاوي:"ربما أصبحت عروض التجارة في عصرنا أشد ظهورًا وبروزًا للفقراء وغيرهم من الأنعام والزروع" [1] .
ويقول د. رفيق المصري: تُرى لماذا اعتُبِرت أموالًا باطنة عند جمهور العلماء؟ لم أجد طرحًا لهذه المسألة عند المعاصرين، وقد ظننت أولًا أني أول من طرحها، لكني وجدت بعد ذلك كلامًا للإمام النووي فيها، قال:"إنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة، وإن كانت ظاهرة؛ لكونها لا تعرف للتجارة أم لا، فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها، والله أعلم".
وفي هذه الشروط قال:"لا تصير العروض للتجارة إلا بشرطين، أحدهما: أن يملكه بعقد يجب فيه عِوَض، كالبيع، والثاني: أن ينوي عند العقد أنه تملَّكه للتجارة".
وهذا ظاهر بالنسبة لمن يتَّجِر سرًّا في منزله، أو يتجر بسلعة قليلة (تاجر غير محترف) ، أما التاجر المحترف الذي يتجر اليوم علنًا في محل تجاري متخذ لغرض التجارة وبسلع ظاهر أنها للتجارة، لا للقُنية، وبصورة معتادة ومتكررة ومنتظمة، ويمسك دفاتر تجارية، وحاصل على ترخيص، ومسجل بالسجل التجاري على سبيل الإشهار والتنظيم، وربما تكون منشأته كبيرة، بل ذات فروع وأقسام متعددة في الداخل والخارج، فمن الواضح أن عروض هذا التاجر تصبح على هذا الأساس أموالًا ظاهرة؛ لأن النية لم تعُدْ خافية، بل صارت هناك قرائن ظاهرة تدل عليها، وتقوم مقامها، وقد تطورت المحالُّ والأسواق التجارية في عصرنا هذا تطورًا كبيرًا، حتى صارت ظاهرة جدًّا، ومتلألئة بالأنواع والتزيينات والديكورات التي تخطف أبصار المارة.
فعروض التجارة اليوم كلها أموال ظاهرة، إلا في حالات فردية، كمن يَتَّجِر بصورة عارضة، بسلعة واحدة، أو بسلع قليلة أو يتجر في بيته، أو في الطريق بدون اتخاذ محل أو مكتب تجاري، أو الحصول على ترخيص، أو قيد في السجل التجاري.
وعليه، يمكن القول بأنه كان الأصل في عروض التجارة قديمًا أنها من الأموال الباطنة؛ فإن الأصل فيها حديثًا أنها من الأموال الظاهرة؛ لظهور قرائن كثيرة تكشف عن نية صاحبها.
(1) فقه الزكاة 1/ 158.