الصفحة 24 من 35

فهذه الأحاديث تدل على أن الأصل أنه لا يجوز لبس الحرير للرجال، غير أنه قد ورد في السنة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه أجاز لبس الحرير للحاجة، فقد روى الإمام البخاري عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) - يعنى القمل - فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاه" [1] ."

6 -إباحة ما تدعو إليه الحاجة من شجر الحرم:

لماحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ونهى عن قطع شجرها، طلب منه بعض الصحابة أن يرخص لهم فيما تدعو إليه الحاجة فرخص لهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

فقد روى الإمام البخاري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال عن مكة:"لا يعضد [2] شجرها، ولا ينفر صيدها"فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر [3] فإنه لقينهم [4] وبيوتهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"إلا الإذخر". [5]

فهذه الأمثلة السابقة ليست أحكامًا تعبديه غير معقولة المعنى لا ينبغي أن يقاس عليها، لكنها - بلا شك - أحكامًا معللة، وعلتها واضحة، وهى رعاية المصلحة والحاجة، وتدل بوضوح على أن الشريعة الإسلامية سلكت طريق رفع الحرج، ومراعاة حاجات الناس، وعلى علماء الشريعة أن يراعو ذلك، وأن يضعوا حاجات الناس في أذهانهم، وينظروا إليها بعين الاعتبار، عند إصدار الأحكام.

هذا، وقد اهتم فقهاء السلف بحاجات الناس وراعوها في فتاويهم وآرائهم، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد تميزت فتاويه بهذا، وله في ذلك أقوال نفيسة، منها:

قوله:"من استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى:"فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [البقرة: 173] وقوله تعالى"فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [المائدة: 3] فكل ما احتاج إليه الناس في معاشهم، ولم يكن سببه معصية هى ترك واجب أو فعل محرم، لم يحرم عليهم، لأنهم في معنى المضطر الذى ليس بباغ ولا عاد" [6] .

وقوله:"لا ينبغي أن ينظر إلى غلظ المفسدة المقتضي للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن، بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب" [7] .

(1) البخارى (كتاب الجهاد والسير - باب الحرير في الحرب) ، ومسلم (كتاب اللباس والزينة - باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حِكة أو نحوها) .

(2) يعضد: يقطع.

(3) الإذخر: نبات طيب الرائحة. النهاية 1/ 33.

(4) القين: هو الحداد والصائع. النهاية 4/ 135.

(5) أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب الإذخر ومسلم كتاب الحج، باب تحريم مكة.

(6) مجموع الفتاوى 29/ 64.

(7) السابق 26/ 181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت