و كما يجب مراعاة أحوال الناس في الفتوى والأحكام، فإنه يجب مراعاة أحوالهم أيضًا في الدعوة والإرشاد، فما ندعو الناس إليه ينبغي أن يكون مناسبًا مع حالتهم التي هم عليها، فما ندعو إليه في مجتمع مسلم يختلف عما ندعو إليه في مجتمع غير مسلم، فينبغي التركيز على معالجة المخالفات والأخطاء التي تنتشر في المكان محل الدعوة. وينبغى مراعاة حال المدعوين واستخدام الوسيلة المناسبة معهم، وقد نبه القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى:"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" [النحل 125] .
يقول العلامة ابن القيم في التعليق على هذه الآية:"ذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبًا للحق محبًا له، مؤثرًا له على غيره، إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلًا بضد الحق، لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن" [1]
وينبغي مخاطبة الناس على قدر عقولهم وعلمهم، وتحديثهم بما تدركه عقولهم وتستوعبه مداركهم، وفى ذلك يقول على بن أبى طالب رضى الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله" [2] .
ويقول ابن مسعود (رضي الله عنه) :"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" [3] .
(1) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ص 1276.
(2) رواه البخارى، كتاب العلم.
(3) رواه مسلم في مقدمة صحيحه.