الصفحة 8 من 35

فعلم أن الميراث مداره على النصرة الظاهرة، لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة. والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم، وإن كانوا من وجه آخر يفعلون خلاف ذلك فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على ما في القلوب.

وقد حمل طائفة من العلماء قول النبي (صلى الله عليه وسلم) :"لا يقتل مسلم بكافر" [1] على الحربي دون الذمي، ولا ريب أن في حمل قوله:"لايرث المسلم الكافر"على الحربي أولى وأقرب محملا، فإن في توريث المسلمين منهم ترغيبا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة، فإن كثيرا منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئا. وقد سمعنا ذلك من غير واحد منهم شفاها، فإذا علم أن إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية. وهذا وحده كاف في التخصيص. وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير، فإن هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته، وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم، وليس هذا مما يخالف الأصول، فإن أهل الذمة إنما ينصرهم ويقاتل عنهم المسلمون ويفتدون أسراهم، والميراث يستحق بالنصرة، فيرثهم المسلمون، وهم لا ينصرون المسلمين فلا يرثونهم، فإن أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب، ولو كان هذا معتبرا فيه كان المنافقون لا يرثون ولا يورثون. وقد مضت السنة بأنهم يرثون ويورثون. [2]

فالقول بتوريث المسلم من غير المسلم يوافق مقاصد الشريعة في حفظ الدين بتأليف القلوب وزوال المانع من عدم الدخول فيه؛ خوفا من الحرمان من الميراث، ويوافقها أيضا في حفظ المال وجعله في أيدي المسلمين لا في يد غير المسلمين الذين قد يرصدونه لحرب المسلمين.

يقول الشيخ القرضاوي:"وأنا أرجح هذا الرأي وإن لم يقل به الجمهور، وأرى أن الإسلام لا يقف عقبة في سبيل خير أو نفع يأتي للمسلم، يستعين به على توحيد الله تعالى وطاعته ونصرة دينه الحق، والأصل في المال أن يرصد لطاعة الله تعالى لا لمعصيته، وأولى الناس به هم المؤمنون، فإذا سمحت الأنظمة الوضعية لهم بمال أو تركة، فلا ينبغي أن نحرمهم منها، وندعها لأهل الكفر يستمتعون بها في أوجه قد تكون محرمة، أو مرصودة لضررنا" [3] .

ومما يتصل بهذه السمة أيضا مسألة جمع النصوص الواردة في الموضوع الواحد والتوفيق بينها. وفي السطور الآتية شيء من البيان حول هذه المسألة

جمع النصوص الواردة في الموضوع الواحد والتوفيق بينها:

لكي نصل إلى أحكام صحيحة يجب أن نجمع جميع النصوص الصحيحة في الموضوع الواحد وندرسها ونفهمها في ضوء القواعد والمقاصد العامة للشريعة، ونرد المتشابه إلى المحكم، ونحمل المطلق على المقيد، ونخصص العام بما يخصصه

(1) أخرجه البخاري (كتاب الديات-باب لا يقتل المسلم بالكافر) وأبو داود في الموضع نفسه

(2) أحكام أهل الذمة 323 وما بعدها

(3) دراسة في فقه مقاصد الشريعة ص 279

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت