فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 33

الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [1] ، وعليه كان الحلم والأناة من صفات الأشداء، فالأشد هو الأقدر على كظم غيظه ومقاومة نفسه.

ولا بد وأن يعي المسلمون سنة الله تعالى في خلقه، وأنه لا يستديم الملك لأحد، ولا تدوم العزة إلا بالطاعة، وأن العلو في الدنيا لا يتبعه علو، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (حق على الله عز وجل أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه) [2] ، والمسلم لا يبتغي علوًّا وقدرة على الخلق والعباد إلا لأجل تحقيق مصالحهم، وعليه تكون القاعدة هي منع المسلم من طلب السلطان والمنعة والرفعة في الدنيا؛ لقوله سبحانه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ علوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {القصص/83} .

واستثناءً من هذه القاعدة يجوز للمسلم طلب ذلك في أحوال وبشروط معينة، مثلما طلب النبي يوسف عليه السلام الملك، ومثلما طلب النبي سليمان عليه السلام الملك، فأما يوسف عليه السلام: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ {يوسف/55 - 56} .

فلم يطلب الولاية لنفسه، ولكنه علم أن البلاد سوف تمر بأزمة اقتصادية، ويعلم كيف يدبر أمرها، فطلب الولاية لأجل ما يتحلى به من الحفظ والعلم، وأما سليمان عليه السلام، فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ {ص/35} ، وذلك لأن الشياطين كانوا يعثون في الأرض فسادا، ولم يكن شيئا يقدر عليهم غير سليمان بفضل الله، فطلب الملك لأجل ذلك، قال سبحانه (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ {الأنبياء/82} .

مع مراعاة أن القدرة من أهم شروط طلب التمكين، فالضعيف لا يُولَّى، وإلا كان في توليته هلكة له ولرعيته، فهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعمله فيوليه على بعض الأمصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إنك ضعيف

(1) رواه البخاري ج 19 ص 72 رقم 5649

(2) رواه أبو داود ج 12 ص 425 رقم 4169 ورواه البخاري ج 20 ص 157 رقم 6020

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت