فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 33

وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) [1] ، فإذا نقبنا في سيرة أبي ذر رضي الله عنه لنعرف أسباب ضعفه، هل كان ذلك بسبب ضعف شخصيته؟ أم قلة حيلته؟ أم جبن محتمل فيه؟ أم ماذا؟ لوجدناه كان قويًّا في الحق لا يخشى في الله لومة لائم، لكنه لم يكن يكتم سرًّا؛ حيث تغلبه نفسه، فلا يملكها عند الفرح أو الغضب، يقول أبو ذر حاكيًا: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له اعرض عليَّ الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا، فضُرِبت لأموت، فأدركني العباس فأكب عليّ، ثم أقبل عليهم فقال ويلكم تقتلون رجلًا من غفار ومتجركم وممركم على غفار، فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنِع بي مثل ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس) [2] ، قال ابن عباس: (فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله) .

أما من يظن أنه بما ملك من قوة - سواء أكان مؤمنًا أو كافرًا - لن يغلبه أحد فهو خاطئ، ويرجع خطؤه إلى سوء تقديره أو فخره وغروره بنفسه أو لعدم علمه بسنة الله تعالى في كونه، فهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم أصيب في أحد، وأصيب المسلمون في بئر معونة وفي الرجيع، ولم ينتقم لنفسه، ولم ينتقم لأحد من أهله أو أصحابه، وإنما فتح مكة مسالمًا، كما فتح المدينة مُرحَّبًا به من أهلها، إذن مفهوم المغالبة ليس في الفقه الإسلامي، ولا أساس له من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سيرة من قبله من الأنبياء، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسعى لمغالبة قريش واستئصالهم - حتى بما ظن ما معه من قوة - وإنما كان همه كل همه هدايتهم للإسلام، ولم يدخل معهم في صراع أو مغالبة إلا مضطرًا، فكان ذلك بمثابة الذود عن المسلمين والدفاع عن دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

(1) رواه مسلم ج 9 ص 347 رقم 3404

(2) رواه البخاري ج 11 ص 349 رقم 3261

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت