وبالنظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - نجده قد جمع بين الأولويات والخصوصيات الفردية أو البيئية، وبين الدعوة الكلية للإسلام، فأعطى الأولوية الدعوية مكانًا في منهجه الدعوي، وهذا ما فقهه وفهمه الصحابة - رضوان الله عليهم - من منهجه الدعوي.
فعن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك، قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك؟ قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف قالت: وما يضرك أيَّهُ قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار؛ حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وإني لجارية ألعب: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آيَ السُّوَر [1] .
قال ابن حجر - رحمه الله: (قولها:"نزل الحلال والحرام"أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندعها، وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف) [2] .
ومن خلال عرض بعض الآثار والمواقف النبوية يظهر ذلك لنا جليًا، وقد ارتأيت تقسيم تلك المواقف والآثار إلى قسمين:
القسم الأول: أولويات دعوية عامة.
(1) رواه البخاري: برقم: (4707) .
(2) فتح الباري: (9/ 40) .