فمن أبَى هذا التفضُّل العظيم والعطاء الجسيم، وجعل يقنِّط الناس، وتزمَّت مِثل كثير من وعَّاظ زماننا، وبعض فئات المتدينين على جهل، فقد ركِب أعظم الشَّطط، فبشِّروا أيها الناس ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا، واغتنموا هذه الفرصة ولا تضيِّعوها أيها الناس، وتوبوا إلى بارئكم [1] .
ففي الآية الكريمة إشارة تربوية واضحة، على العباد أن يغتنموها، ولا سيما أصحاب الذنوب، وهي أن باب التوبة إلى الله والعودة إلية ما زال مفتوحًا، ومهما بلغت ذنوب العبد إذا ما تاب فالله يغفرها برحمته وغفرانه، يقول الله في الحديث الذي يرويه لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( يا بن آدم، لو آتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة ) ).
* السعي المستمر والدَّؤوب للظَّفَر برحمة الله والفوز بجنَّته:
قال تعالى: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: 16] .
قوله: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ} ؛ أي: العذاب يوم القيامة فقد رحمه، وأوجب الله له الرحمة لا محالة [2] .
وقيل: من يصرف العذابُ عنه يومئذ فقد رحمه الحق له، وحققه بمقام الكشف والشهود، وذلك التحقق والانكشاف هو الفوز المبين لأهل العناية والوصول [3] .
فإذا ما أحسن الإنسان أعماله، وأطاع الله سبحانه وتعالى، واجتنب معصيتَه، فإنه سيظفر برحمة الله، وفي هذا دافعٌ للإنسان أن يعمل بالطاعات والأعمال الصالحة.
* التربية الصحيحة على الأخلاق الحميدة:
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
يقول الحق - جل جلاله: فبرحمة من الله ونعمة كنتَ سهلًا لينًا رفيقًا، فحين عصَوْا أمرك، وفرُّوا عنك، ألنتَ لهم جانبك، ورفقتَ بهم، بل اغتمَمْتَ من أجلهم مما أصابهم، ولو كنت فظًّا
(1) تيسير التفسير، إبراهيم القطان، (ت: 1404 هـ) ، (ج 3/ص 177) .
(2) الوجيز للواحدي، (ج 1/ص 347) .
(3) الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية والحكم الفرقانية، نعمة الله بن محمود النخجواني، ويعرف بالشيخ علوان، (ت: 920 هـ) ، الناشر: دار ركابي للنشر - الغورية - مصر، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1999 م، (ج 1/ص 215) .