المغلوطة، فتمكنوا بذلك من بث سمومهم ونشر أفكارهم، وفتنهم، لتضليل الأمة وصرفها عن جادة الصواب إلى طرق الخلاف والافتراق، ولكن الله قيض لهم علماء الإسلام فميزا كذبهم ومحصوا افتراءهم، وجعلوا علم الإسناد دينًا، فانظر عمن تأخذ دينك؟!
قال الإمام ابن المبارك رحمه الله: (( الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) ) [1] .
وقال شعبة: (( كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل ) ) [2] .
وقد شكا أئمة آل البيت النبوي عليهم السلام من الكذب عليهم فقال جعفر الصادق عليه السلام: (إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس) [3] .
فينبغي علينا العناية بهذا العلم الذي انفردت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، فهو يحتاج منا إلى علم بالرجال وذهن متقد ونظر دائم لنوفق للرواية الصحيحة التي يمكننا العمل بها والاعتماد عليها وتمييز سقيمها، مثلنا في ذلك مثل الصيارفة في تمييز مغشوش الدنانير والدراهم.
إن من الصفات اللازمة لأصل الخلقة البشرية الضعف والخطأ والجهل والنسيان، فالأئمة الكبار، والصلحاء الأخيار، مشمولون بقوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، وداخلون في قوله صلى الله عليه وسلم: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) ) [4] ولذلك كان الأئمة يدركون هذه الحقيقة ويقررونها في أتباعهم ومحبيهم، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (( أشهدكم إني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذابًا شديدًا ) ) [5] .
وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب
(1) مقدمة صحيح الإمام مسلم، (ص 78) .
(2) المحدث الفاضل (ص 6) .
(3) اختيار معرفة الرجال للطوسي (1/ 324) ، وبحار الأنوار (2/ 217) ومستدرك الوسائل للطبرسي (9/ 90) .
(4) أخرجه الترمذي من حديث أنس برقم (2423) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وابن ماجة برقم (4241) كتاب الزهد باب ذكر التوبة.
(5) عقيدة أهل البيت عبدالله الخضير (ص 27) وعزاه لرجال الكشي (ص 225 - 226) .