أولًا: النظر في سير العظماء إنما يكون للتأسي والاقتداء:
إننا اليوم نعاني من ترف فكري يتمثل في كم من المحفوظات، يقابله تقصير ظاهر في العمل بما نعلم، فكم آية أو حديث علمنا به واتخذناه ظهريًا، وكم سمعنا من مواقف عظيمة لسلفنا الصالح ولم نحولها لواقع عملي مترجم في حياتنا، وكأننا لم نقرأ قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] .
تأمل في هذا الموقف الفريد!
أخرج الإمام البخاري في صحيحه أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يتحرى قصد أماكن من طرق المدينة فيصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها [1] ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس [2] .
قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله: (( ما كتبت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عملت به، حتى مر بي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت ) ) [3] .
عن إبراهيم بن هاني قال: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ثم قال لي: اطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه، فقلت: لا آمن عليك يا أبا عبدالله، قال: افعل، فإذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعًا، فلما خرج قال: اختفى رسول الله في الغار ثلاثة أيام ثم تحول، وليس ينبغي أن يتبع رسول الله في الرخاء ويترك في الشدة [4] .
إننا بحاجة لمثل هذا الرعيل الصالح الذين وجدوا في أنفسهم نَهَمَ العمل بما علموا كنهمهم بالعلم بما جهلوا، حينها نجد بركة العلم ونسلك بأنفسنا صراط من أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
ثانيًا: العناية بقبول أو رد الرواية:
إن أمتنا أمة مستهدفة من أعدائها، فقد اندس فيها أناس وضعوا الأحاديث المكذوبة، ونشروا الأخبار
(1) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد التي على طرق المدينة، رقم الحديث (461) .
(2) سير أعلام النبلاء (3/ 213) ، ينبغي التنبه هنا إلى أن فعل ابن عمر رضي الله عنه لا يقصد به التبرك بالصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان قصده شدة الاقتداء والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم فهو حريص على بركة الاقتداء لا على بركة المكان.
(3) المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (1/ 93) .
(4) المصدر السابق، (1/ 110) .