الفصل السادس
زين العابدين إنموذج للسلوك الصادق
إذا سلم القلب سلمت الجوارح، وإذا فسد القلب فسدت الجوارح لذا خصه الله بالذكر من بين الجوارح فقال: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } [الشعراء: 88 - 89] .
وهو القلب الخالي من كل بدعة أو ذنب، سليم من كل مرض أو عيب، فلا غل ولا كبر ولا حقد ولا حسد، من هنا كان السلف الصالح يديمون النظر في أعمال قلوبهم لتصفوَ علاقتهم مع الله سبحانه، وإليك أمثلة ذلك من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام.
المبحث الأول: التواضع:
عن عبدالله بن أبي سليمان قال: (( كان علي بن الحسين إذا مشى لا تتجاوز يده فخذه ولا يخطر بيده [1] .
عن جعفر بن محمد قال: كان علي بن الحسين إذا سار على بغلته في سكك المدينة لم يقل لأحد: الطريق، وكان يقول: الطريق مشترك، ليس لي أن أخلي أحد عن الطريق [2] .
عن جعفر بن محمد أنه أتاه قوم فأثنوا عليه، فقال: حسبنا أن نكون من صالحي قومنا [3] .
وهذا من أقوى الطرق في قطع الجاه، فإن هضم الذات في أعين الخلق يسلم به المرء من آفة الشهرة والجاه المفسدة للأديان، المحبطة للأعمال، لذا كان السلف يكرهون المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق سبحانه. وقد وصف الله أهل الآخرة فقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
وعن كعب بن مالك قال صلى الله عليه وسلم: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) ).
(1) صفة الصفوة (2/ 54) .
(2) سير أعلام النبلاء (4/ 398) ومسند الرضا لداود الغازي صفحة (160) وشرح إحقاق الحق للسيد المرعشي (28/ 105) .
(3) سير أعلام النبلاء (4/ 388) حلية الأولياء (3/ 162) تاريخ مدينة دمشق (41/ 369) والإرشاد للمفيد (2/ 143) وبحار الأنوار (46/ 74) .