الهوى يُعبَد، ولا يزال الأحبارُ والرهبان، والملوك والسلاطين، وأصحاب القوَّة والثروة، والزعماء والأحزاب السياسية، أربابًا من دون الله، تُقرَّب لها القرابين، ويُنصَب لها الجبين - إلى أن يقول: فرِسالة العالَم الإسلامي هي الدعوةُ إلى الله ورسوله، والإيمان باليومِ الآخِر، وجائزته الخروجُ من الظلمات إلى النور، ومِن عبادة الناس إلى عبادة الله وحدَه، والخروج مِن ضيق الدنيا إلى سَعتها، ومِن جَوْر الأديان إلى عدْل الإسلام.
وقد ظهَر فضْل هذه الرِّسالة، وسهُل فَهْمها في هذا العصْر أكثرَ من كلِّ عصر، فقد افتضحتِ الجاهلية، وبدَتْ سوءتها للناس، واشتدَّ تذمُّر الناس منها، فهذا طَوْر انتقال العالَم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام، لو نهَض العالَم الإسلامي، واحتضنَ هذه الرسالة بكلِّ إخلاص وحماسة وعزيمة، ودان بها كالرِّسالة الوحيدة التي تستطيعُ أن تُنقِذ العالَم من الانهيار والانحلال.
إلى أن يقول: فالمهمُّ الأهمُّ لقادة العالَم الإسلامي وجمعياته الدِّينية، وللدُّول الإسلامية غرْسُ الإيمان في قلوب المسلمين، وإشْعال العاطفة الدِّينيَّة، ونشْر الدعوة إلى لله ورسوله، والإيمان بالآخِرة على منهاج الدَّعْوة الإسلامية الأُولى، لا تَدَّخر في ذلك وُسعًا، وتستخدم لذلك جميعَ الوسائل القديمة والحديثة، وطُرُق النشْر والتعليم، كتجوُّل الدعاة في القُرى والمدن، وتنظيم الخُطَب والدروس، ونشْر الكتب والمقالات، ومدارسة كُتُب السِّيرة وأخبار الصحابة، وكتب المغازي والفتوح الإسلامية، وأخْبار أبطال الإسلام وشهدائه، ومذاكرة أبواب الجِهاد وفضائل الشُّهداء، وتَستخدم الراديو والصحافة، وكتب الأدب، وجميع القوى والوسائل العصريَّة.
والقُرآن وسِيرة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - قوَّتانِ عظيمتان، تستطيعانِ أن تُشعِلاَ في العالَم الإسلامي الحماسةَ والإيمان، وتُحْدِثَا في كلِّ وقت ثورةً عظيمة على العصْر الجاهلي، وتجعلاَ مِن أمَّة مستسلِمة منخَذِلة ناعسة، أُمَّةً فتية ملْتهِبة حماسةً وغَيْرة، وحنقًا على الجاهلية، وسخطًا على النُّظم الجائرة.
إنَّه لو وُجِد رجالٌ يقومون بالدَّعْوة إلى الإسْلام والتعاون بيْن المسلمين، ولهم مِن القيادة والسُّلطة والإمكانيات ما يستطيعون به إنفاذَ آمالهم، لتغيَّرت حالُ العالَم اليوم، كيف والإسلام مشرِق واضح، سالِم من التعقيدات والخُرافات، ويتقبَّله الوثنيُّون وغيرهم بسُهولة أذهَلت المبشِّرين، واعترفوا بها، وهي واقعٌ لا يمكن إنكاره؟!