والمحقِّقون من الفقهاء والمفسِّرين، والمؤلِّفين في العقائد والتاريخ، وممن كانوا يذبُّون عن حِياضِ الإسلام، ويدافعون عن حِماهُ، ومنهم: عثمان بن سعيد الدارمي وعبدالعزيز المكي، ومحمد بن خزيمة ومحمد بن جرير الطبري، وموفَّق الدين بن قُدامة والعز بن عبدالسلام، والذهبي والمزي، وشيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم وابن كثير، ومحمد بن عبدالوهاب والبشير الإبراهيمي وجمال الدِّين القاسمي، وغيرهم كثيرون ممَّن لا يتَّسع المقام لذِكْرهم، وممن لا يمكن حصرُهم.
إنَّ البطولاتِ والجهاد العظيم الذي أدَّاه رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه، في أدوار التاريخ الإسلامي المختلِفة، والذي تحمَّله أناسٌ كانوا يزهدون في التفاخُرِ بما أدَّوْه، ويعملون في صمت، ولا يريدون أن يطَّلع الناس على أعمالهم، إلا أن يكون للاقتداء والنَّهْج على مِنوالهم، ويَعدُّون ما يقومون به قليلًا!
وهم يرتجون مثوبةَ الله ورِضاه، ويَحرِصون على سلامة النِّيَّة، وأن تبتعد عن الشوائبِ التي تُكدِّر العملَ الصالح، ويُفضِّلون أن يكونوا جنودًا مجهولين، لا يعلم الناس بأعمالهم الجليلة.
هذه البُطولات، وتلك المُثل، يَنبغي أن تكونَ دافعًا للعمل الجادِّ في سبيل الإسلام ونشْره، فتلك مسؤولية كلِّ مسلم حسبَ طاقته، وما يقدر على أدائه في هذا السبيل.
لقد أدْرك سلَفُ الأمَّة ما يجب عليهم في جِهاد الكفَّار، وما يُفترض عليهم القِيام به في نشْر الإسلام بكلِّ وسيلة ممكنة، في التعليم والإرشاد، وفي الوعظ والتوجيه، وفي بعْث الدُّعاة وإرسال الرسائل والكتب، وفي القِتال إذا أصرَّ أعداءُ الدِّين على عِنادهم واستكبارهم؛ ولذا ارتفعتْ راية الإسلام خفَّاقة، وفي مدَّة قرْن من الزمان صارتْ دولة المسلمين تمتدُّ من الصِّين شرقًا، إلى المحيط الأطلسي غربًا.
شيءٌ يفوق الوصْفَ، ويُذهل العقول، والسرُّ كامِن في وضوح الدِّين وإشراقه، وفي قوَّة الإيمان والصبر فيمَن حمَلُوا لِواءَه، لم يعبؤوا بكثرة الأعداء، ولم يَرْهبوا الموت في سبيل الله، فنصَرَهم الله، ومكَّن لهم في الأرض {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] .
وكانتْ سِيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - نبراسًا لهم، يَهتدون بهَدْيه، ويَقتفون أثرَه، فعندما هبط الوحيُ على الرسول؛ خاتمِ الأنبياء، المبعوثِ إلى الناس كافَّة، لا فرْق بيْن أبيضَ وأسود، ولا بين يهودي