فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 148

رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمّا أَمْسَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَ وَدَخَلْنَا. قَالَ: فَحَدّثْتُ الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. قَالَتْ: فَدُونَك، فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ. قَالَ: فَلَمّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتّى أَنَخْته عَلَى بَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ: ثُمّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَأَى الْجَمَلَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ. قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِك فَهُوَ لَك، وَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِجَابِرِ فَأَعْطِهِ أُوقِيّةً. قَالَ: فَذَهَبْت مَعَهُ فَأَعْطَانِي أُوقِيّةً وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا. قَالَ: فَوَاَللّهِ مَا زَالَ يَنْمِى عِنْدِي، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا، يَعْنِي: يَوْمَ الْحَرّةِ. [1]

وفي هذه القصة صورة جميلة ورفيعة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من حيث لطف الحديث، والتواضع الرفيع، الوقوف على أحواله، فقد شعر الرسول صلى الله عليه وسلم أن سبب تأخر جابر عن الركب هو ضعف جمله الذي لا يملك غيره لبؤس حاله، حيث إن والده مات شهيدًا في أحد وترك له مجموعة من البنات والأولاد ليرعاهم، وهو مقل في الرزق. [2]

-عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْأَنْصَارِيّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَافِلًا، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ قَالَ: فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَهُمَا: عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ - فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ: فَكُونَا بِفَمِ الشّعْبِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي. فَلَمّا خَرَجَ الرّجُلَانِ إلَى فَمِ الشّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيّ لِلْمُهَاجِرِيّ: أَيّ اللّيْلِ تُحِبّ أَنْ أَكْفِيكَهُ، أَوّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ قَالَ: بَلْ اكْفِنِي أَوّلَهُ. قَالَ: فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيّ فَنَامَ وَقَامَ الْأَنْصَارِيّ يُصَلّي. قَالَ: وَأَتَى الرّجُلُ، فَلَمّا رَأَى شَخْصَ الرّجُلِ عَرَفَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ. قَالَ: فَرَمَى بِسَهْمِ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ: فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ فَثَبَتَ قَائِمًا. قَالَ: ثُمّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ: فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا. ثُمّ عَادَ لَهُ بِالثّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ: فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمّ أَهَبّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أَثْبَتّ. قَالَ: فَوَثَبَ. فلما رَآهُمَا الرّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرَا بِهِ فَهَرَبَ. قَالَ: وَلَمّا رَأَى الْمُهَاجِرِيّ مَا بِالْأَنْصَارِيّ مِنْ الدّمَاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوّلَ مَا رَمَاك؟ قَالَ: كُنْت فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتّى أُنْفِدَهَا، فَلَمّا تَابَعَ عَلَيّ الرّمْيَ رَكَعْتُ فَأَذِنْتُك،

(1) سيرة ابن هشام 2/ 206

(2) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث 2/ 224

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت