غزوة بدر الكبرى، ويقال لها: العظمى، وبدر القتال، ويوم الفرقان،؛ لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل.
وهي الوقعة العظيمة التي أعز الله تبارك وتعالى بها الإسلام، ودفع الكفر وأهله، وجمعت الآيات الكثيرة والبراهين الشهيرة؛ وليحقق الله تعالى ما وعدهم من إحدى الطائفتين، وما أخبرهم به من ميلهم إلى العير دون الجيش، ومجئ المطر عند الالتقاء، وكان للمسلمين نعمة وقوة، وعلى الكفار بلاء ونقمة.
كَانَت هذه الغزوة فِي رَمَضَانَ السّنَةِ الثانية، وسببها: أن عيرًا لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر.
وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرب إلا نحو أربعين رجلا.
إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم على مر العصور، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: (هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) .
ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغروة.
فَتَجَهّزَ النّاسُ في قريش سِرَاعًا، وَقَالُوا: أَيَظُنّ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيّ كَلّا وَاَللّهِ لِيَعْلَمُنّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ إمّا خَارِجٍ وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا، وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ، إلا أن أَبَا لَهَبِ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَخَلّفَ وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاطَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ بَعَثَهُ فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلّفَ أَبُو لَهَبٍ. [1]
كان أُمَيّة بْن خَلَفٍ أَجْمَعَ الْقُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا جَسِيمًا ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا، فِيهَا نَارٌ وَمَجْمَرٌ، حَتّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيّ، اسْتَجْمِرْ فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ. قَالَ: قَبّحَك اللّهُ وَقَبّحَ مَا جِئْتَ بِهِ. قَالَ: ثُمّ تَجَهّزَ فَخَرَجَ مَعَ النّاسِ. [2]
(1) سيرة ابن هشام 1/ 609
(2) سيرة ابن هشام 1/ 610