ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة مع سنة الأخذ بالأسباب، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، وغير ذلك من الأمور التي ذكرناها. [1]
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا سنة الأخذ بالأسباب، وضرورة الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له؛ لأنه لا تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوافر وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، فقد كان الدعاء والتضرع إلى الله من الأعمال المتكررة الدائمة التي فزع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها. [2]
في هذه الغزوة فاتت الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت، عن جابر بن ... عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. [3]
-وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.» [4]
وزاد مسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء.» [5]
وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الحديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه، وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث، وقد استدل طائفة من العلماء بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي. [6]
قال الدكتور البوطي: لقد فاتت النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر كما رأيت في هذه الموقعة، لشدة انشغاله، حتى صلاها قضاء بعدما غربت الشمس. وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته أكثر من صلاة واحدة، صلاها تباعًا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها، وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة، ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزًا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين
(1) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان، ص 503
(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 222
(3) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ج 4/ص 1509 (3886)
(4) الحديث أخرجه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ج 4/ص 1509 (3885)
(5) الحديث أخرجه: مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ج 1/ص 437 (627)
(6) انظر: البداية والنهاية 4/ 126