زعيمي الأنصار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة على رسول الله غاية الاستسلام لله تعالى والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى فلا مجال لإبداء الرأي بل لا بد من التسليم والرضا.
والثاني: أن يكون شيئًا يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره رأيه الخاص، فرأيه مقدم وله الطاعة في ذلك.
الثالث: أن يكون شيئًا عمله الرسول صلى الله عليه وسلم لمصلحة المسلمين من باب الإرفاق بهم، فهذا هو الذي يكون مجالا للرأي.
ولما تبين للسعدين من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أراد القسم الثالث، أجاب سعد بن معاذ بجواب قوي كبت به زعيمي غطفان حيث بين أن الأنصار لم يذلوا لأولئك المعتدين في الجاهلية، فكيف وقد أعزهم الله تعالى بالإسلام، وقد أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بجواب سعد، وتبين له منه ارتفاع معنوية الأنصار واحتفاظهم بالروح المعنوية العالية، فألغى بذلك ما بدأ به من الصلح مع غطفان. [1]
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة» دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستهدف من عمله ألا يجتمع الأعداء عليه صفًّا واحدًا، وهذا يرشد المسلمين إلى عدة أمور منها:
* أن يحاول المسلمون التفتيش عن ثغرات القوى المعادية.
* أن يكون الهدف الإستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده، ولا تنسى القيادة الفتوى والشورى والمصلحة الآنية والمستقبلية للإسلام. [2]
وفي استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة يبين لنا أسلوبه في القيادة، وحرصه على فرض الشورى في كل أمر عسكري يتصل بالجماعة، فالأمر شورى ولا ينفرد به فرد حتى ولو كان هذا الفرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما دام الأمر في دائرة الاجتهاد ولم ينزل به وحي. [3]
إن قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأي الصحابة في رفض هذا الصلح يدل على أن القائد الناجح هو الذي يربط بينه وبين جنده رباط الثقة، حيث يعرف قدرهم ويدركون قدره، ويحترم رأيهم ويحترمون رأيه، ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم مع قائدي غطفان تعد من باب السياسة الشرعية التي تراعي فيها المصالح والمفاسد حسب ما تراه القيادة الرشيدة للأمة.
أ- أنه يؤكد شجاعة المسلمين الأدبية في إبداء الرأي، والمشورة في أي أمر يخص الجماعة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
(1) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي 6/ 125
(2) انظر: الأساس في السنة (2/ 687)
(3) انظر: العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، ص 414