قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ قَدْ مَضَيَا حَتّى نَزَلَا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلَى تَلّ قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ، ثُمّ أَخَذَا شَنّا لَهُمَا يَسْتَقِيَانِ فِيهِ، ومَجْدِيّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيّ عَلَى الْمَاءِ، فَسَمِعَ عَدِيّ وَبَسْبَسُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ وَهُمَا يَتَلَازَمَانِ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَلْزُومَةُ تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ ثُمّ أَقْضِيك الّذِي لَك. قَالَ مَجْدِيّ: صَدَقْتِ ثُمّ خَلّصَ بَيْنَهُمَا، وَسَمِعَ ذَلِكَ عَدِيّ وَبَسْبَسُ، فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمّ انْطَلَقَا حَتّى أَتَيَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَاهُ بِمَا سَمِعَا. [1]
قلت: كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حرصه على معرفة جيش العدو والوقوف على أهدافه ومقاصده؛ ولأن ذلك يعينه على رسم الخطط الحربية المناسبة لمجابهته وصد عدوانه، فقد كانت أساليبه في غزوة بدر في جمع المعلومات تارة بنفسه وأخرى بغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يطبق مبدأ الكتمان في حروبه، فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا) [2]
وقد تحلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة الكتمان في عامة غزواته، فعن كعب بن مالك ... رضي الله عنه قال: (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها ... ) . [3] ، وفي غزوة بدر ظهر هذا الخلق الكريم في الآتي:
1 -سؤاله صلى الله عليه وسلم الشيخ الذي لقيه في بدر عن محمد وجيشه، وعن قريش وجيشها.
2 -تورية الرسول صلى الله عليه وسلم في إجابته عن سؤال الشيخ ممن أنتما؟ بقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء» وهو جواب يقتضيه المقام، فقد أراد به صلى الله عليه وسلم كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش.
3 -وفي انصرافه فور استجوابه كتمانٌ أيضًا، وهو دليل على ما يتمتع به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببًا في طلب الشيخ بيان المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: «من ماء» .
4 -أمره صلى الله عليه وسلم بقطع الأجراس من الإبل يوم بدر، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر. [4]
5 -كتمانه صلى الله عليه وسلم خبر الجهة التي يقصدها عندما أراد الخروج إلى بدر، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( ... إن لنا طلبةً فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا ... ) . [5]
(1) سيرة ابن هشام 1/ 617
(2) الآية من سورة النساء، رقم 83
(3) الحديث أخرجه: البخاري كتاب الجهاد والسير باب من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس ج 3/ص 1078 (2787)
(4) الحديث أخرجه: أحمد بن حنبل ج 6/ص 150 (25207) ، وابن حبان في صحيحه ج 10/ص 552 (4699)
(5) الحديث أخرجه: مسلم كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد (3/ 1510) رقم (1901)