مَا كَانَ مِنْ عبد الله بْنِ أُبَيّ مَعَ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم:
حَاصَر رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بني قينقاع حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ أَمْكَنَهُ اللّهُ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيّ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَحْسِنْ فِي مُوَالِيّ. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتَ الْفُضُولِ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَرْسِلْنِي، وَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا، ثُمّ قَالَ: وَيْحَك، أَرْسِلْنِي، قَالَ: لَا وَاَللّهِ لَا أُرْسِلْك حَتّى تُحْسِنَ فِي مُوَالِيّ أَرْبَعَ مِئَةِ حَاسِرٍ وَثَلَاثُ مِئَةِ دَارِعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إنّي وَاَللّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدّوَائِرَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: هُمْ لَك. [1]
ثم خلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبيلهم وأمر بإجلائهم، فَخَرَجُوا إلَى أَذْرُعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم، وغنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون منهم أموالهم، وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجّارًا، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة. [2]
قلت: ويظهر في خبر ابن سلول السابق فقه النبي - صلى الله عليه وسلم - السياسي في تعامله معه حيث لبى طلبه، فلعل هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته، فقال له: هم لك، ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه فيتماسك الصف، ويلتحم فلا يتأثر من كيد أعداء الإسلام.
وهناك بُعد آخر حيث حرص - صلى الله عليه وسلم - أن يتفادى حدوث فتنة في مجتمع المؤمنين، حيث إن بعض الأنصار حديثو عهد بالإسلام، ويخشى أن يؤثر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي لسمعته الكبيرة فيهم، ولذلك سلك صلى الله عليه وسلم معه أسلوب المداراة والصبر عليه وعلى إساءته؛ تجنبا للفتنة وإظهارًا لحقيقة الرجل من خلال تصرفاته ومواقفه عند من يجهلها، ومن ثم يفر الناس من حوله ولا يتعاطفون معه، وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فقد ظهرت حقيقة ابن سلول لجميع الناس حتى أقرب الناس إليه ومنهم ولده عبد الله، فكانوا بعدها إذا تكلم أسكتوه، وتضايقوا من كلامه. [3]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: لَمّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع َ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَشَبّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَقَامَ دُونَهُمْ، قَالَ: وَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفٍ، لَهُمْ مِنْ حِلْفِهِ مِثْلُ الّذِي لَهُمْ مِنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ، فَخَلَعَهُمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَبَرّأَ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَتَوَلّى اللّهَ وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ هَؤُلَاءِ الْكُفّارِ وَوِلَايَتِهِمْ.
(1) سيرة ابن هشام 2/ 48
(2) زاد المعاد 3/ 114
(3) السيرة النبوية للصلابي 3/ 103