فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 148

(غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ)

(سَنَةِ خَمْسٍ)

-عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم. [1]

-وعن أنس رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غَنْم، موكب جبريل حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة. [2]

بعد عودة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخندق ووضعه السلاح، أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقتال بني قريظة، فأمر الحبيب - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالتوجه إليهم، وقد أعلمهم بأن الله تعالى قد أرسل جبريل ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب.

-عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم. [3]

ومن حديث ابن عمر السابق نستفيد أدب الخلاف، فقد اختلف الصحابة في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» ، فبعضهم فهم منه المراد الاستعجال، فصلى العصر لما دخل وقته، وبعضهم أخذ بالظاهر فلم يصل إلا في بني قريظة، ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا منهم أو عاتبه، ففي ذلك دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذورًا ومثابًا، كما أن فيه تقريرًا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم.

إن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل، إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما دام دليلها ظنيًّا محتملًا؟. ولو أمكن ذلك أن يتم في عصرنا، لكان أولى العصور به عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكان أولى الناس بألا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما رأيت؟. [4]

(1) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم ج 4/ص 1510 (3891)

(2) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم ج 4/ص 1510 (3892)

(3) الحديث أخرجه: البخاري كتاب المغازي باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم ج 4/ص 1510 (3893)

(4) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص 226

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت