فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 148

الغدر، وقد أجلتكم عشرًا، فمن رُئي بعد منكم ضربت عنقه» [1] ، ولم يجدوا جوابًا يردون به سوى أن قالوا لمحمد بن مسلمة: يا محمد، ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال محمد: تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود، فقالوا: نتحمل، فمكثوا أياما يعدون العدة للرحيل [2] .

وفي تلك المدة أرسل إليهم رَهْط مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ: عَدُوّ اللّهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ ووَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدُ، وَدَاعِسٌ: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم [3] ، ولا تخرجوا، فإن معي من العرب وممن انضوى إلى قومي ألفين، فأقيموا، فهم يدخلون معكم حصونكم، ويموتون عن آخرهم قبل أن يصلوا ... إليكم [4] .

فعادت لليهود بعض ثقتهم وتشجع كبيرهم (حيي بن أخطب) وأرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - جدي بن أخطب يقول له: إنا لن نريم - أي: لن نبرح- دارنا فاصنع ما بدا لك، فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكبَّر المسلمون معه، وقال: «حاربت يهود» [5] .

وانقضت الأيام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم، فتحركت جيوش المسلمين صوبهم، وضربت عليهم الحصار لمدة خمس عشرة ليلة، وأمر صلى الله عليه وسلم بحرق نخيلهم، وقضى بذلك على أسباب تعلقهم بأموالهم وزروعهم، وضعفت حماستهم للقتال، وجزعوا وتصايحوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يفعله، فما بال قطع النخيل وتخريبها؟ وألقى الله في قلوبهم الرعب، وأدرك بنو النضير أن لا مفر من جلائهم، ودب اليأس في قلوبهم وخاصة بعد أن أخلف ابن أبي وعده بنصرهم، وعجز إخوانهم أن يسوقوا إليهم خيرًا أو يدفعوا عنهم شرًا، فأرسلوا إلى النبي ... صلى الله عليه وسلم يلتمسون منه أن يؤمنهم حتى يخرجوا من ديارهم، فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال لهم: «اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة - وهي الدروع والسلاح- فرضوا بذلك» . ونقض اليهود سقف بيوتهم وعمدها وجدرانها لكي لا ينتفع منها المسلمون، وحملوا معهم كميات كبيرة من الذهب والفضة حتى أن سلام بن أبي الحقيق وحده حمل جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة، وكان يقول: هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها، وإن كنا تركنا نخلًا ففي خيبر النخل [6] . وحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير، وخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن من خلفهم، حتى لا يشمت بهم المسلمون، فقصد بعضهم خيبر وسار آخرون إلى أذرعات الشام. [7]

تَقْسِيمُ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ:

(1) انظر: الطبقات الكبرى ج 2/ص 57

(2) انظر: تاريخ الطبري (2/ 552)

(3) انظر: سيرة ابن هشام (3/ 212)

(4) انظر: تاريخ الطبري (2/ 553)

(5) انظر: السيرة النبوية لابن كثير (3/ 146)

(6) انظر: السيرة الحلبية (2/ 566)

(7) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/ 191

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت