فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 148

بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَمَرَهُ وَأَصْحَابَهُ أَنْ يَلْزَمُوا مَرْكَزَهُمْ وَأَلّا يُفَارِقُوهُ وَلَوْ رَأَى الطّيْرَ تَتَخَطّفُ الْعَسْكَرَ، وَكَانُوا خَلْفَ الْجَيْشِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْضَحُوا الْمُشْرِكِينَ بِالنّبْلِ؛ لِئَلّا يَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ.

وَكَانَتْ الدّوْلَةُ أَوّلَ النّهَارِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفّار فَانْهَزَمَ عَدُوّ اللّهِ وَوَلّوْا مُدْبِرِينَ حَتّى انْتَهَوْا إلَى نِسَائِهِمْ، فَلَمّا رَأَى الرّمَاةُ هَزِيمَتَهُمْ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ الّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحِفْظِهِ، وَقَالُوا: يَا قَوْمُ، الْغَنِيمَةُ. فَذَكّرَهُمْ أَمِيرُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَلَمْ يَسْمَعُوا وَظَنّوا أَنْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ رَجْعَةٌ، فَذَهَبُوا فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ وَأَخْلَوْ الثّغْرَ وَكَرّ فُرْسَانُ الْمُشْرِكِينَ، فَوَجَدُوا الثّغْرَ خَالِيًا قَدْ خَلَا مِنْ الرّمَاةِ، فَجَازُوا مِنْهُ وَتَمَكّنُوا حَتّى أَقْبَلَ آخِرُهُمْ فَأَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَأَكْرَمَ اللّهُ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ بِالشّهَادَةِ، وَهُمْ سَبْعُونَ، وَتَوَلّى الصّحَابَةُ، وَخَلَصَ الْمُشْرِكُونَ إلَى ... رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَرَحُوا وَجْهَهُ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى، وَكَادَتْ السّفْلَى، وَهَشّمُوا الْبَيْضَةَ عَلَى رَأْسِهِ، وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى وَقَعَ لِشِقّهِ، وَسَقَطَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الّتِي كَانَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ يَكِيدُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ عَلِيّ بِيَدِهِ وَاحْتَضَنَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ، وَكَانَ الّذِي تَوَلّى أَذَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْرُو بْنُ قَمِئَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ.

وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ أَوّلُ مَنْ عَرَفَهُ تَحْتَ الْمِغْفَرِ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَنَهَضُوا مَعَهُ إلَى الشّعْبِ الّذِي نَزَلَ فِيهِ، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ الْأَنْصَارِيّ وَغَيْرُهُمْ، فَلَمّا اسْتَنَدُوا إلَى الْجَبَلِ أَدْرَكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ عَلَى جَوَادٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَوْذ، زَعَمَ عَدُوّ اللّهِ أَنّهُ يَقْتُلُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَلَمّا اقْتَرَبَ مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ فَطَعَنَهُ بِهَا، فَجَاءَتْ فِي تَرْقُوَتِهِ، فَكَرّ عَدُوّ اللّهِ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: وَاَللّهِ مَا بِك مِنْ بَأْسٍ. فَقَالَ: وَاَللّهِ لَوْ كَانَ مَا بِي بِأَهْلِ ذِي الْمِجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ، وَكَانَ يَعْلِفُ فَرَسَهُ بِمَكّةَ وَيَقُولُ: أَقْتُلُ عَلَيْهِ مُحَمّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى، فَلَمّا طَعَنَهُ تَذَكّرَ عَدُوّ اللّهِ قَوْلَهُ أَنَا قَاتِلُهُ، فَأَيْقَنَ بِأَنّهُ مَقْتُولٌ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ، فَمَاتَ مِنْهُ فِي طَرِيقِهِ بِسَرِفٍ مَرْجِعَهُ إلَى مَكّةَ، وجاء عَلِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَاءٍ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ آجِنًا فَرَدّهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدّمَ وَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَعْلُوَ صَخْرَةً هُنَالِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ لِمَا بِهِ، فَجَلَسَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتّى صَعِدَهَا، وَحَانَتْ الصّلَاةُ فَصَلّى بِهِمْ جَالِسًا، وَصَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَحْتَ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت