(بِئْرِ مَعُونَةَ)
(فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ)
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجّةِ، ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ. [1]
قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ ... رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِك، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ... - صلى الله عليه وسلم: إنّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ. قَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٍ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النّاسَ إلَى أَمْرِك. [2]
فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصّلْتِ السّلَمِيّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ فِي رِجَالٍ مُسَمّيْنَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ. [3]
فَلَمّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى عَدُوّ اللّهِ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ، فَلَمّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتّى عَدَا عَلَى الرّجُلِ فَقَتَلَهُ، ثم استصرخ عليهم بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا. فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ عُصَيّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، ثُمّ قَاتَلُوهُمْ حَتّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ - يَرْحَمُهُمْ اللّهُ - إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ فَإِنّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَارْتُثّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا، رَحِمَهُ اللّهُ. [4]
(1) سيرة ابن هشام 2/ 183
(2) سيرة ابن هشام 2/ 184
(3) سيرة ابن هشام 2/ 184
(4) سيرة ابن هشام 2/ 184