وسلم بقتلهما عندما وصل إلى الصفراء [1] ، أثناء رجوعه للمدينة، فلما سمع عقبة بن معيط بأمر قتله قال: يا ويلي، علام أُقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعداوتك لله ولرسوله» قال: يا محمد مَنُّك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، إن قتلتهم قتلتني، وإن مننت عليهم مننت علي، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا محمد مَنْ للصبية؟ قال رسول الله ... صلى الله عليه وسلم: «النار، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه» [2] فقدمه عاصم فضرب عنقه [3] .
وأما النضر بن الحارث، فقد كان من شياطين قريش، وممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا ... مني؟ [4] .
وبمقتل هذين المجرمين تعلم المسلمون أن بعض الطغاة العتاة المعادين لا مجال للتساهل معهم، فهم زعماء الشر وقادة الضلال، فلا هوادة معهم؛ لأنهم تجاوزوا حد العفو والصفح بأعمالهم الشنيعة، فقد كان هذان الرجلان من شر عباد الله وأكثرهم كفرًا وعنادًا وبغيًا وحسدًا وهجاء للإسلام ... وأهله [5] .
-عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا، قال: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله عز وجل (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) ، فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضدا. فقال رسول الله ... صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟
(1) وادي الصفراء: من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع والخير في طريق الحاج، وسلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة وبينه. معجم البلدان ج 3/ص 412
(2) انظر: مجمع الزوائد (6/ 89) قال فيه: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/ 644)
(4) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 300
(5) التربية القيادية 3/ 60، والبداية والنهاية 3/ 372