فهرس الكتاب
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، وَاَللّهِ لَقَدْ أَثَارَ أَبَاكَ عُمّالَ مُعَاوِيَةَ فَبَدَا فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، قَالَ: فَأَتَيْته فَوَجَدْتُهُ عَلَى النّحْوِ الّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يَتَغَيّرْ مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ: فَوَارَيْته، فَصَارَتْ سُنّةً فِي الشّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ.
وَمِنْهَا: جَوَازُ دَفْنِ الرّجُلَيْنِ أَوْ الثّلَاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَدْفِنُ الرّجُلَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ وَيَقُولُ: أَيّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا أَشَارُوا إلَى رَجُلٍ قَدّمَهُ فِي اللّحْد.
وَدَفَنَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَام ٍ وَعَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَحَبّةِ فَقَالَ: ادْفِنُوا هَذَيْنَ الْمُتَحَابّيْنِ فِي الدّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
هَلْ دَفْنُ الشّهَدَاءِ فِي ثِيَابِهِمْ عَلَى الْوُجُوبِ؟
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُدْفَنَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ فِي ثِيَابِهِمْ هَلْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَوْلَوِيّهِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الثّانِي: أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ وَأَحْمَد َ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيّدٍ أَنّ صفية أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثَوْبَيْنِ لِيُكَفّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ فَكَفّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَكَفّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ. قِيلَ: حَمْزَةُ كَانَ الْكُفّارُ قَدْ سَلَبُوهُ وَمَثّلُوا بِهِ وَبَقَرُوا عَنْ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجُوا كَبِدَهُ، فَلِذَلِكَ كُفّنَ فِي كَفَنٍ آخَرَ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الضّعْفِ نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُغَسّلُ الشّهِيدُ، وَسُنّةُ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى بِالِاتّبَاعِ.
وَمِنْهَا: أَنّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يُصَلّى عَلَيْهِ؛ لِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُصَلّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ أَنّهُ صَلّى عَلَى أَحَدٍ مِمّنْ اُسْتُشْهِدَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ وَنُوّابُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحَيْن ِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيّتِ ثُمّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ. [1] وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَلّى ... رَسُولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ. قِيلَ: أَمّا صَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ قَتْلِهِمْ قُرْبَ مَوْتِهِ كَالْمُوَدّعِ لَهُمْ، وَيُشْبِهُ هَذَا خُرُوجَهُ إلَى الْبَقِيعِ قَبْلَ مَوْتِهِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كَالْمُوَدّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، فَهَذِهِ كَانَتْ تَوْدِيعًا مِنْهُ لَهُمْ لَا أَنّهَا سُنّةُ الصّلَاةِ عَلَى الْمَيّتِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤَخّرْهَا ثَمَانِ سِنِينَ لَا سِيّمَا عِنْدَ مَنْ يقول لا يُصَلّى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُصَلّى عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ.
مَنْ قُتِلَ فِي الْجِهَادِ مَظْنُونًا كُفْرُهُ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ دِيَتُهُ:
(1) الحديث أخرجه: البخاري كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهي ج 1/ص 451 (1279) ، ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته ج 4/ص 1795 (2296)