وليس له أهل، ذلك أن هؤلاء هم في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلم ضربت الخيمة في المسجد، وكان بالإمكان ضربها في أي مكان آخر؟
إن سعد بن معاذ يكرم لمآثره وما بذله في سبيل الله تعالى، فيكون هذا التكريم أن يجعل في خيمة أعدت لمن به ضيعة، وهكذا حينما يرتفع السادة يجعلون مع المغمورين الذين أخلصوا أعمالهم لله تعالى فاستحقوا أن يكونوا في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منهج نبوي كريم أصبح دستورًا للمسلمين على مدى الزمن. [1]
وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - رضي الله عنه:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَة انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا. وورد أَنّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السّلَامُ أَتَى رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، مَنْ هَذَا الْمَيّتُ الّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيعًا يَجُرّ ثَوْبَهُ إلَى سَعْدٍ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ.
وعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِي قَالَ: كَانَ سَعْدٌ رَجُلًا بَادِنًا، فَلَمّا حَمَلَهُ النّاسُ وَجَدُوا لَهُ خِفّةً، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: وَاَللّهِ إنْ كَانَ لَبَادِنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفّ مِنْهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ: إنّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ. [2]
وفي النسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ذكر - صلى الله عليه وسلم - عدد الملائكة الذين شاركوا في تشييع جنازة سعد فقال - صلى الله عليه وسلم: «هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفُتحت أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، لقد ضم ضمة ثم أفرج عنه» [3] يعني سعدًا.
وَقَالَتْ أُمّ سَعْدٍ - كُبَيْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ - حِين اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ:
وَيْلُ أُمّ سَعْدٍ سَعْدًا ... ... صَرَامَةً وَحَدّا
وَسُوْدُدًا وَمَجْدًا ... ... ... وَفَارِسًا مُعَدّا
سُدّ بِهِ مَسَدّا ... ... ... يَقُدّ هَامًا قَدّا
يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: كُلّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ إلّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. [4]
وها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يودع سعدًا كما روى عبد الله بن شداد: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يكيد نفسه فقال: «جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزك الله ما وعدك» . [5]
فضائل سعد بن معاذ - رضي الله عنه:
(1) انظر: من معين السيرة، ص 294.، وراجع: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث 2/ 286
(2) سيرة ابن هشام 2/ 250 - 251
(3) أخرجه: النسائي في الجنائز باب ضمة القبر وضغطته ج 1/ص 660 (2182) بسند صحيح.
(4) سيرة ابن هشام 2/ 252
(5) انظر: سير أعلام النبلاء (1/ 288)