بُدّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأَنّنِي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ و، َكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، فَأَرَدْت أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللّهِ، قَدْ كُنّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشّرْكِ بِاَللّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمْنَا اللّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزّنَا بِك وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا، وَاَللّهِ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاَللّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلّا السّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصّحِيفَةَ فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ، ثُمّ قَالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا. [1]
في هذا الموقف ظهرت حنكته صلى الله عليه وسلم وحسن سياسته حين اختار قبيلة غطفان بالذات لمصالحتها على مال يدفعه إليها على أن تترك محاربته وترجع إلى بلادها، فهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك في هذا الغزو أي هدف سياسي يريدون تحقيقه، أو باعث عقائدي يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأول والأخير من الاشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها؛ ولهذا لم يحاول الرسول صلى الله عليه وسلم الاتصال بقيادة الأحزاب من اليهود (كحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع) أو قادة قريش كأبي سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرئيسي، لم يكن المال، وإنما كان هدفهم هدفًا سياسيًّا وعقائديًّا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامي من الأساس؛ لذا فقد كان اتصاله (فقط) بقادة غطفان، الذين (فعلًا) لم يترددوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد استجاب القائدان الغطفانيان (عيينة بن حصن، والحارث بن عوف) لطلب النبي صلى الله عليه وسلم وحضرا مع بعض أعوانهما إلى مقر قيادة النبي صلى الله عليه وسلم واجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفاوضتهم، وكانت تدور حول عرض تقدم به رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه وبين غطفان. [2]
ويعني قبول قائدي غطفان ما عرضه عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجهة العسكرية، وضوح الهدف الذي خرجت غطفان من أجله، وهو الوقود الذي يشعل نفوس هؤلاء ويحركها في جبهة القتال، ولا شك في أن اختفاء هذا الدافع يعني أن المحارب فقد ثلثي قدرته على القتال، وبذلك تضعف عنده الروح المعنوية التي تدفعه إلى الاستبسال في مواجهة خصمه؛ وبذلك استطاع صلى الله عليه وسلم أن يفتت ويضعف من قوة جبهة الأحزاب. [3]
فقد أبرز - صلى الله عليه وسلم - في هذه المفاوضات جانبًا من جوانب منهج النبوة في التحرك لفك الأزمات عند استحكامها وتأزمها، لتكون لأجيال المجتمع المسلم درسًا تربويًّا من دروس التربية المنهجية عند اشتداد البلاء [4] وفي رد
(1) انظر: سيرة ابن هشام 2/ 223، و البداية والنهاية (4/ 106)
(2) انظر: السيرة النبوية للصلابي 2/ 268
(3) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص 413
(4) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/ 176)