وهذا الخبر يدل على قوة ارتباط الصحابة الكرام بالآخرة، وحرصهم على رضوان الله تعالى؛ ولذلك انطلق عوف بن الحارث - رضي الله عنه - كالسهم وهو حاسر غير متدرع يثخن في الأعداء حتى أكرمه الله بالشهادة، لقد تغيرت مفاهيم المجتمع الجديد، وتعلق أفراده بالآخرة، وأصبحوا حريصين على مرضاته بعد أن كان جل همهم أن تتحدث عنهم النساء عن بطولاتهم، ويرضى سيد القبيلة عنهم، وتنشد الأشعار في شجاعتهم. [1]
* استشهاد سعد بن خيثمة ثم أبيه رضي الله عنهما:
قال الحافظ ابن حجر: قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: استهم يوم بدر سعد بن خيثمة وأبوه فخرج سهم سعد فقال له أبوه: يا بني آثرني اليوم، فقال سعد: يا أبت لو كان غير الجنة فعلت، فخرج سعد إلى بدر فقُتِلَ بها، وقتل أبوه خيثمة يوم أحد. [2]
وهذا الخبر يعطي صورة مشرقة عن بيوتات الصحابة في تنافسهم وتسابقهم على الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذا سعد بن خيثمة ووالده لا يستطيعان الخروج معًا لاحتياج أسرتهما وعملهما لبقاء أحدهما، فلم يتنازل أحدهما عن الخروج رغبة في نيل الشهادة حتى اضطروا إلى الاقتراع بينهما، فكان الخروج من نصيب سعد -رضي الله عنهما-، وكان الابن في غاية الأدب مع والده، ولكنه كان مشتاقًا إلى الجنة فأجاب بهذا الجواب البليغ: (يا أبت، لو كان غير الجنة فعلت) . [3]
* دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة:
-عن عائشة رضي الله عنها -في حديثها عن طرح قتلى قريش في القليب بعد معركة بدر- قالت: (فلما أمر بهم فسحبوا عرف في وجه أبي حذيفة بن عتبة الكراهية، وأبوه يسحب إلى القليب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا حذيفة لكأنه ساءك ما كان في أبيك؟» فقال: والله يا رسول الله ما شككت في الله وفي رسوله، ولكن إن كان حليمًا سديدًا ذا رأي، فكنت أرجو أن لا يموت حتى يهديه الله عز وجل إلى الإسلام، فلما رأيت أن قد فات ذلك ووقع حيث وقع أحزنني ذلك، قال: «فدعا له رسول الله بخير» . [4]
إن هذا الموقف يبين قوة التجاذب بين الإيمان في ذروة اليقين، والعاطفة البشرية في قمة الوفاء النبوي، فالإيمان لا يميت المشاعر البشرية، ولكنه يهذبها، فيحولها من عصبية جاهلية إلى وفاء لا ينكره المنهج الرباني في تطبيقه العملي، فإيمان أبي حذيفة إيمان لا تهزه زلازل الأحداث، فهو إذ يرى أباه يقتل في أشراف قريش كافرًا، ويلقى معهم في قليب بدر، يأخذه أسف العاطفة البشرية؛ وفاء لهذا الأب، ويظل أبو حذيفة مزملًا بإيمانه الراسخ رسوخ الأطواد الشامخات، فلا يزيد على أن يعروه الاكتئاب على ما فات أباه من خير يرجوه له بالهداية إلى الإسلام. [5]
* عمير بن أبي وقاص:
(1) انظر: التربية القيادية (2/ 31)
(2) انظر: الإصابة (2/ 23، 24) رقم (3118)
(3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/ 87)
(4) أخرجه: الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 3/ص 249 (4995) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم ... يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(5) انظر: محمد رسول الله 3/ 446