2 -أما قريش فكانت خسارتها فادحة فإضافة إلى مقتل أبي جهل بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء الكفر الذين كانوا من أشد القرشيين شجاعة وقوة وبأسًا، ولم تكن غزوة بدر خسارة حربية لقريش فحسب، بل خسارة معنوية أيضا، ذلك أن المدينة لم تعد تهدد تجارتها فقط، بل أصبحت تهدد أيضا سيادتها ونفوذها في الحجاز كله، كان خبر الهزيمة على أهل مكة كالصاعقة، ولم يصدقوا ذلك في بداية الأمر.
وهذا أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص علينا أثر خبر هزيمة قريش على أبي لهب -لعنه الله- حيث قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة .. فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدْنا في أنفسنا قوةً وعزةً. قال: كنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل (زوجة العباس بن عبد المطلب) جالسة وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشرٍّ حتى جلس عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ، فكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب قد قدم، فقال: أبو لهب: هلم إليَّ فعندك لعمري الخبر، قال: جلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، وَاَيْمُ اللّهِ مع ذلك ما لُمت الناس، لقينا رجالًا بيضًا على خيل بَلْقٍ بين السماء والأرض، والله ما تُليق [1] شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك عليَّ يضربني وكنت رجلًا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت [2] في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلًا، ثم مات بعد سبع ليالٍ بِالْعَدَسَةِ [3] فقتلته. [4]
لقد تركت غزوة بدر بنفوس أهل مكة المشركين كمدًا وأحزانًا وآلامًا بسبب هزيمتهم ومن فُقدوا وأسروا، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بعلة ومات، وهذا أبو سفيان فقد ابنًا له وأُسر له ابنٌ آخر، وما من بيت من بيوت مكة إلا وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب، أو أسر أسير، فلا عجب أن كانوا صمموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر، حتى إن بعضهم حرم على نفسه الاغتسال [5] حتى يأخذ بالثأر ممن أذلوهم، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم، وانتظروا يترقبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم، فكان ذلك في أحد. [6]
(1) أي: تبقي. لسان العرب ج 10 ص 334
(2) فلعت: شقت. مختار الصحاح ج 1 ص 214
(3) العدسة: قرحة قاتلة كالطاعون، وقد عدس الرجل: إذا أصابه ذلك. النهاية في غريب الأثر ج 3/ص 190
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 1/ 645.
(5) هو أبو سفيان بن حرب نذر ألا يمس رأسه من ماء جنابة حتى يغزو المسلمين.
(6) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/ 171)