الأساليب الطبيعية للنزعة الاجتماعية تعامل المحسوبية والزبائنية أحيانا كأنها من أشكال السلوك السياسي المنحرف انحراف خطيرا، ولا توجد إلا في البلدان النامية جراء سيات خاصة تسم هذه المجتمعات، وفي الحقيقة، تعد علاقة المحسوبية السياسية، بغض النظر هل تشمل العائلة أو الأصدقاء، واحدة من الأشكال الأساسية للتنظيم الاجتماعي البشري الموجودة، وهي شمولية لأنها طبيعية في البشر. ومن ثم فإن السر التاريخي الكبير الذي يجب حل غموضه لا يكمن في السؤال عن سبب وجود المحسوبية بل لماذا أصبحت محظورة قانونية في النظم السياسية الحديثة وأستبدلت بالتنظيم اللاشخصاني.
في المجلد الأول قدمت الحجة على أن البشر کائنات اجتماعية بالطبيعة وأن تنظيمهم الاجتماعي متجذر في البيولوجيا. هنالك مبدآن بيولوجيان أساسيان لا تتقاسمها فعلية المجتمعات البشرية كلها فحسب، بل كثير من الأنواع الأخرى التي تتكاثر جنسية: اصطفاء الأقرباء أو الكفاءة الكلية، والإيثار المتبادل (10) . في اصطفاء الأقرباء، يفضل الأفراد أقرباءهم في الدم وفق عدد المورثات المشتركة، وهذا اساس محاباة الأقارب. أما الإيثار المتبادل فيشمل تبادل الخدمات والمنافع على أساس مباشر بين أفراد لا نجمعهم صلات القربي
الا بعد اصطلفاء القرابة ولا الإيثار المتبادل من السلوكيات المكتسبة، إذ يميل كل طفل غريزية، بغض النظر عن الثقافة، إلى تفضيل الأقرباء وتبادل الحظوة مع أولئك المحيطين به، ولا هما من السلوكيات المتأصلة في الحسابات العقلانية؛ حيث يولد البشر مع جملة من العواطف الوجدانية التي تدعم تنمية العلاقات الاجتماعية اعتمادا على التعاون مع الأصدقاء والأقرباء. أما التصرف بطريقة مغايرة -على سبيل المثال: أختيار موظف على مستوى مرتفع من الكفاءة على حساب صديق أو قريب، أو العمل في بيروقراطية لا شخصانية- فهو سلوك منظم اجتماعيا يعاكس مسار ميولنا الطبيعية. ولم يبدأ البشر تنظيم أنفسهم وتعلم التعاون بأسلوب يسمو على الأصدقاء والأقرباء إلا مع تطور مؤسسات سياسية مثل الدولة الحديثة. وحين