الصفحة 274 من 810

يرتبط العامل الثاني بوصول الرأسمالية المتأخر إلى اليونان. كانت الولايات المتحدة من أوائل البلدان التي دخلت مرحلة التصنيع؛ وبقي القطاع الخاص والمشروعات التجارية الرائدة والمبادرة توفر المهن الرئيسة لمعظم الأميركيين، تمدنت اليونان، وحملت سات المجتمع الحديث وزخارفه في وقت مبكر، لكنها فشلت في تشييد قاعدة قوية للاستخدام الصناعي. وفي غياب الفرص المتاحة في المشروعات التجارية الرائدة، سعي اليونانيون إلى العمل في قطاع الدولة، وتفضل عليهم السياسيون الطامحون إلى حشد الأصوات بالقبول عن طيب خاطر. إضافة إلى ذلك كله، حافظ النمط اليوناني من التمدين، حيث تنتقل القرى بأكملها من الريف، على شبكات المحسوبية الريفية سليمة دون تغيير، وهي شبكات نزع التطور الصناعي المرتكز إلى تفكيكها.

للعامل الأخير صلة بالثقة، أو ما يوصف برأس المال الاجتماعي (2) . بدأت هذا الفصل ملاحظة أن اليونان تقاسم إيطاليا الجنوبية السمعة المدوية لمجتمعات الثقة المتدنية إلى أبعد حد، أكد بعض المختصين بعلم الاجتماع أن الثقة منتج جانبي لقوى أخرى في المجتمع، مثل الحكومة الفعالة، أو النمو الاقتصادي القوي الذي يتيح للجميع الإثراء معا. واقترح غيرهم أن غياب الثقة ظرف ثقافي مستقل الوجود (او خارجي المنشا، بتعبير الاقتصاديين) عن الأنظمة السياسية أو الاقتصادية، واعتبروه سبية -لا نتيجة للاختلال الوظيفي في النظام.

أرى أن غياب الثقة عن المجتمع اليوناني متجذر في السياسة، ولاسيما في غياب دولة قوية ونزيهة، لكنه تأبد على مر السنين وتحول إلى عادة ثقافية. لقد تغلغل هذا الشعور بانعدام الثقة في المجتمع الريفي التقليدي وفي النزاعات السياسية المريرة في القرن العشرين. انقسمت اليونان على طول الخطوط الأسرية والقرابية والمناطقية والطبقية والآيديولوجية، على الرغم من حقيقة أن فيها واحدا من أكثر مجتمعات العالم تجانسا إثنيا. تتغذى هذه الانقسامات الاجتماعية والسياسية على حقيقة أن الدولة لم تعتبر قط حامية لمصلحة عامة مجردة، كحال الدولة الألمانية أو الفرنسية. بل مصدر نفع ثمين يجب اقتناصه واستغلاله لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة. ولذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت