الصفحة 282 من 810

وجدت حتى عندما كان الشال أفقر من الجنوب اليوم. فضلا عن ذلك، لا يمكن للموارد وحدها أن تفسر الاختلاف، لأن الحكومات الإيطالية نقلت موارد هائلة من الشمال إلى الجنوب في أول عقدين بعد الحرب العالمية الثانية لمساعدة المنطقة على اللحاق بالركب. صحيح أن الجنوب شهد تطورا كبيرا بالفعل في هذه الحقبة، لكن الشمال تطور بمعدل أسرع، بحيث بقيت الفجوة الإجمالية على حالها

وليس من الممكن نسبة الفارق بين المنطقتين إلى اختلاف المؤسسات أو السياسات. إذ تميز النظام السياسي الإيطالي في حقبة ما بعد الحرب بدرجة عالية من المركزة؛ حيث حکمت جميع المناطق بطريقة موحدة عبر مفوضين إداريين على الطراز الفرنسي، خضع هذا النظام للإصلاح في سبعينيات القرن الماضي حين تخلت الحكومة المركزية عن قدر كبير من سلطة اتخاذ القرار إلى المناطق، ضمن بنية هيكلية إجمالية سعت إلى توزيع الموارد بالتساوي في أرجاء البلاد كافة). في الحالتين کلتيها- حين حكمت مناطق الدولة المركزية من روما، أو منحت استقلالا ذاتية مع عدالة نسبية في الوصول إلى الموارد يصعب التأكيد على أن النظام السياسي الذي وجد منذ عام 1861 مسؤول عن الفوارق التنموية.

دفع هذا كله بوتنام، مقتفي أثر إدوارد باتفيلد وكثير من المراقبين الآخرين اللجنوب، إلى الزعم بأن الاختلالات الوظيفية في المنطقة تكمن في القيم الثقافية الموروثة والراسخة الجذور، أو رأس المال الاجتماعي. كما قدم الحجة على أن رأس المال الاجتماعي ولد في المدن الدول ذات الحكم الذاتي التي ازدهرت في القرون الوسطى وحتى عصر النهضة، مثل جنوا وفلورنسا والبندقية، لقد رعت هذه الجمهوريات فضائل الولاء والثقة، ونظمت اعتمادا على مؤسسات أوليغارشية ذاتية الحكم. بالمقابل، تشكلت إيطاليا الجنوبية بواسطة حكم ملوك النورمانديين المركز والمستبد لنابولي وصقلية، حيث جسدت علاقة الراعي-العميل نمطه المهيمن للتنظيم الاجتماعي. ومن ثم كان السبب النهائي للفارق بين المناطق سياسية في طبيعته وأصوله، لكنه تأبد على مر القرون وفقا ليوتنام على شكل عادات اجتماعية أو ثقافية فيما يتصل بالثقة والمشاركة المجتمعية).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت