الصفحة 286 من 810

الصفوف ضد الفلاحين، كما في بروسيا وروسيا، وجد حكم استبدادي قوي وعندما كانت الأرستقراطية أقوى من الملك، كما في هنغاريا وبولندا، ساد طغيان داخلي وضعف وطني أمام الخطر الخارجي. إنكلترا وحدها شهدت توازنة نسبية بين الدولة والنخب الأرستقراطية؛ فقد انبثقت حكومة دستورية من حقيقة عدم تمكن طرف من التغلب على الآخر. وكثيرا ما ألقت الدولة الإنكليزية بثقلها لصالح غير النخب ضد الأرستقراطية، لا من منطلق آيديولوجي مساواتي بل لأنها أرادت قصقصة جناح أي منافس على السلطة. وبينما تعد قصة بارونات الملك جون الذين فيدوا سلطنه بواسطة «الوثيقة العظمى» (الماغنا کارتاه) مألوفة لنا، لعب الملوك الإنكليز أيضا دورا فعالا في الحد من سلطة البارونات واللوردات ضد مستأجري أراضيهم والفلاحين الأتباع من غير النخبة

يقدم بوتنام الحجة على أن النورمانديين أقاموا حكومة ممركزة قوية في إيطاليا الجنوبية وأن هذه السلطة العسودية أضعفت قدرة المواطن على تشكيل روابط أفقية من الثقة أو المشاركة، لكن عند هذه المرحلة من العصور الوسطى، لم تكن أي حكومة أوربية قادرة على إقامة دولة مركزة ديكتاتورية حقا تستطيع اختراق المجتمع برمته والسيطرة عليه بطريقة الصينيين، أو الروس فيما بعد. في القرون التي أعقبت فريدريك الثاني، كان واقع إيطاليا الجنوبية يتخذ مسارا معاكسا تقريبا: ضعف مستمر في السلطة المركزة التي عجزت عن منع استغلال الأرستقراطية للفلاحين، بكلمات أخرى، شابهت إيطاليا الجنوبية هنغاريا أو بولندا أكثر من بروسيا أو روسيا

ومثلما كانت الحال في اليونان، ارتبط ضعف الحكومة المركزية المحلية في إيطاليا الجنوبية ارتباطا وثيقة بالسياسة على المستوى الدولي. فقد انتقلت مملكتا صقلية ونابولي في نهاية المطاف، من أسرة هوهنستوفن إلى أراغون، التي توحدت ممتلكاتها تحت الحكم الإسباني بزواج فرديناند وايزابيلا. تعززت هذه الممتلكات في إمبراطورية حفيدهما شارل الخامس، الذي أصبح وريثا لآل هابسبورغ وعاهلا للإمبراطورية الرومانية المقدسة. بقيت إيطاليا الجنوبية من أملاك أسرة هابسبورغ الإسبانية أولا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت