الصفحة 294 من 810

من الآخر، ياخد في العادة شريكه إلى المحكمة في مجتمع حسن التنظيم وخاضع الحكم القانون. لكن حين تكون الدولة فاسدة، وغير موثوقة، أو ربما غائبة أصلا، يجب اللجوء بدلا منها إلى موفر خاص للحماية وتوكيله بمهمة التهديد بكسر رجلي الطرف الآخر إذا لم يدفع ما عليه. ووفق هذه النظرية، تصبح المافيا مجرد منظمة خاصة توفر خدمة مطلوبة تؤديها الدولة عادة -أي أستخدام التهديد بالعنف

وأحيانا العنف الفعلي) لتنفيذ حقوق الملكية. يبين غامبينا أن المافيا ظهرت تحديدا في تلك المناطق من إيطاليا الجنوبية التي شهدت نزاع اقتصادية على الأرض، وثروات منقولة وحجم كبيرة من الصفقات، وشقاقا سياسية فيما يتعلق بالتغييرات التي حدثت في طبيعة الدولة الإيطالية بعد عام 1860 (1)

هنالك بالطبع أسباب وجيهة وراء ضرورة احتكار الدولة الشرعية استخدام العنف لحماية حقوق الملكية. ومن دون هذا الاحتكار يمكن لحماية الأسواق ذاتها أن تصبح هدفا للتنافس العنيف. إذ يسهل على عضو المافيا الانتقال دون عوائق من الحماية إلى الابتزاز، لحماية الأفراد من التهديد الذي أوجده بنفسه. كما يسهل أيضا أن ترتقي الحماية الخاصة إلى أنواع أخرى من الابتزاز غير الشرعي، تشمل البغاء وتهريب المخدرات، ومثلما يؤكد غاميتا، تزدهر المافيا في مجتمع الثقة المتدنية كذلك الموجود في صقلية لأنها تستطيع أن توفر خدمات حماية موثوقة على المدى القريب. لكنها تؤبد مناخ العنف والخوف، الذي يقلص مستويات الثقة في المجتمع ككل (1)

توضح مرحلة الفاشية في إيطاليا العلاقة العكسية بين قوة الدولة والجريمة المنظمة، إذ تعرف الفاشية عموما بأنها شكل من الحكم الاستبدادي أشد بأسا من الحكومات الاستبدادية التقليدية التي ظهرت في أوربا القرن التاسع عشر، حيث يشمل کا حدث فعلا حزبا جماهيرية، وآيديولوجية هادية، وسيطرة احتكارية كاملة على الدولة، وقيادة کاريزماتية، وقمع المجتمع المدني". ومع أن موسوليني إيطاليا ابتكر الفاشية، إلا أن نسخته لم تحقق قط الدرجة ذاتها من السلطة المركزة التي بلغها نظام هتلر، فضلا عن ستالين الاتحاد السوفييتي. ولم يتمكن حزب موسوليني الفاشستي من اختراق الجنوب وإعادة تنظيم السياسة على أساس جماهيري عريض."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت